"لعبة الأمم" تخذل الكرد… من جديد

كتاب النهار 22-01-2026 | 04:14
"لعبة الأمم" تخذل الكرد… من جديد
تقسو "لعبة الأمم" مرة جديدة على الكرد في المنطقة... لم تصدق "قسد" قسوة تلك "اللعبة"، وخبث مصالح الكبار، التي تُسقط برمشة عين طموحات بدا أنها مجرد أوهام.
"لعبة الأمم" تخذل الكرد… من جديد
سهُل على المراقبين وعلى “قسد” استنتاج أن الحراك العسكري يحظى بدعم الولايات المتحدة (أ ف ب)
Smaller Bigger

لحظة إقليمية دولية مكثّفة شهدتها سوريا، مرة أخرى، خلال الساعات الأخيرة. بدا أن المواكبة الخارجية للتحوّل السوري الكبير يوم 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، أي يوم سقوط نظام بشّار الأسد، شهدت مذّاك مواسم تلو مواسم قادت إلى حالة "التمكين"، التي حظي بها نظام الرئيس أحمد الشرع في سوريا. ومَن تابع مِن كثب مؤشرات التوتر بين دمشق وقوات سوريا الديموقراطية (قسد)، أمكن له ملاحظة تدافع العواصم على رعاية مفترق جديد في راهن هذا البلد.

بدا أن قرار دمشق إنهاء الحالة المسلّحة في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب باشر بداية النهايات التي نستطلعها ساعة بعد ساعة. أدركت "قسد" أن الواجهة الحلبية ليست سوى حلقة من سلاسل لاحقة. يفسّر الأمر ابتعاد تنظيم مظلوم عبدي عن الانخراط في معركة اعتُبرت خلفية، كما النأي بالنفس عن حالة مسلّحة جرى بسهولة تعامل دمشق معها، وصولاً إلى إخلاء المدينة منها.

وفيما كانت سرعة الحسم صاعقة لمن توقعوا "أم المعارك" في المدينة، فإن "قسد" كانت تحاول تأجيل المعركة الكبرى، والعمل على إنكار احتمالها، والتعويل على "كلمة سر" من الراعي الكبير في واشنطن تفرض نهاية سعيدة لمسلسل ينزلق نحو درك تراجيدي مقيت.

في المعلومات أن "قسد" فوجئت بالتحرّك السريع لقوات دمشق، لا بالمعنى العسكري فقط، بل بما وراء الأمر من فائض ثقة. أوحى التطوّر بأن ضوءاً أخضر مُنح للدولة السورية بفرض وقائع ميدانية متتالية، قبل أن يتغيّر المزاج الدولي، تحديداً في واشنطن، وفي داخل البيت الأبيض. كان اجتماع باريس الذي جمع مسؤولين سوريين وإسرائيليين في باريس، أوائل الشهر الجاري، بحضور المبعوث الأميركي الخاص توم برّاك، قد أوحى بتقدّم نوعي سُجّل على طريق إبرام الاتفاق بين الطرفين.

لا معلومات بشأن شمول تلك محادثات ملف "قسد". لكن الصمت المريب، الذي التزمت به المنابر الرسمية الإسرائيلية، حتى حين صدرت "استغاثات" من بعض قيادات "قسد"، أوحى بأن ما تحقّق بين دمشق وتل أبيب في باريس أكثر وضوحاً ودقة ودعماً من قبل واشنطن من ذلك الذي خُيّل إنجازه في باكو في تموز/ يوليو 2025. قيل حينها إن الطرفين توصّلا إلى تفاهمات بشأن ملف السويداء، قبل أن يكشف التدخل العسكري الإسرائيلي بعد أيام، بما فيه قصف دمشق، عمّا وصفه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو حينها بـ"سوء تفاهم".

اجتازت قوات دمشق في الأيام الأخيرة "محرّم" نهر الفرات صوب الشرق، موحية بأن الخيار بات عسكرياً لحسم ملف النزاع. سهُل على المراقبين، وعلى "قسد" استنتاج أن ذلك الحراك يحظى بدعم الولايات المتحدة لدفع المفاوضات نحو خواتيم نهائية. فهمت "قسد" تماماً علامات التحوّل، وسعت لاستيعاب المزاج الأميركي. كان اجتماع برّاك مع قائد "قسد" مظلوم عبدي في أربيل، بحضور الرئيس مسعود برزاني، واضح الرسائل وجليّ المتطلبات. بعد الاجتماع بساعات أُعلن عن توصل دمشق و"قسد" إلى اتفاق كامل، ذيّله توقيع حضوري للرئيس الشرع، وتوقيع إلكتروني عن بُعد للجنرال مظلوم عبدي.

في الساعات الأخيرة، ولا سيما تلك التي وُصفت بالخطيرة الحرجة، إثر انهيار اجتماع الخمس ساعات في اليوم التالي في دمشق، وصولاً إلى الإعلان عن اتفاق جديد يُعوّل أن يكون نهائياً، كانت الاتصالات تتقاطع ما بين الرياض والدوحة وأنقرة وباريس وواشنطن لإقناع من لم يقتنع بأن الملف يجب أن يُغلق. استدعى الأمر تواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع الرئيس الشرع، لتوحي إشادة ترامب لاحقاً بالشرع بمزاج أوحى بما صدر لاحقاً عن برّاك: "انتهت مهمة قسد".

تقسو "لعبة الأمم" مرة جديدة على الكرد في المنطقة. لم تشملهم "لعبة" سايكس-بيكو قديماً، واعترضت طموحات الرئيس مسعود برزاني في تمرير استفتاء عام 2017، الذي كان يطمح إلى أن يفتح طريق الإقليم للاستقلال، وفهم الزعيم عبدالله أوجلان أخيراً عبثها. لم تصدق "قسد" بدورها قسوة تلك "اللعبة"، وخبث مصالح الكبار، التي تُسقط برمشة عين طموحات بدا أنها مجرد أوهام.