صراخ لبناني قديم في خارطة كونية جديدة لا ترحم حتى الحلفاء!

كتاب النهار 20-01-2026 | 04:24
صراخ لبناني قديم في خارطة كونية جديدة لا ترحم حتى الحلفاء!

لم نعد أمام شرق أوسط جديد. هذه ثابتة تخطاها الزمن بسرعة مذهلة. أصبحنا، في الواقع أمام عالم جديد. الشرق الأوسط في هذا السياق، مجرد حجر في ورشة إعادة تشكيل الخارطة العالمية.

صراخ لبناني قديم في خارطة كونية جديدة لا ترحم حتى الحلفاء!
دخان متصاعد جراء قصف إسرائيلي استهدف منزلاً في بلدة سحمر في البقاع شرقي لبنان (أ ف ب)
Smaller Bigger

لم نعد أمام شرق أوسط جديد. هذه ثابتة تخطاها الزمن بسرعة مذهلة. أصبحنا، في الواقع أمام عالم جديد. الشرق الأوسط في هذا السياق، مجرد حجر في ورشة إعادة تشكيل الخارطة العالمية.

ما تقوم به الإدارة الأميركية لم يستوعبه العقل الاستراتيجي بكامله بعد. مثله مثل الذكاء الاصطناعي الذي يزيل من دربه، رويداً رويداً، كل ما كان سائداً من مفاهيم!

لم تعد هناك لا ثوابت، ولا مبادئ، ولا مسلّمات. حتى المصالح اختلفت جذرياً، وكأنّ "الأحلام المجنونة" وجدت قدرات تنفيذية كانت سابقاً تفتقد إليها!

قبل أيّام، حين انطلقت حاملة طائرات أميركية والمجموعة البحرية التابعة لها من بحر الصين إلى البحر الأحمر على خلفية التوترات بين واشنطن وطهران، قال محلل سياسي فرنسي كان على إحدى القنوات التلفزيونية لشركائه في البرنامج التحليلي: هذه المجموعة وحدها تفوق القوة البحرية العسكرية الفرنسية بأربعة أضعاف على الأقل!

لم يكن هذا المحلل السياسي الفرنسي يفكر في ما تستطيع واشنطن أن تفعله بايران، إن ذهبت قدماً في تهديد رئيسها دونالد ترامب بمعاقبة النظام على قتل المتظاهرين ضده، ولكنّه كان مهووساً بالتوترات بين الولايات المتحدة الأميركية ودول أوروبية، بينها بلاده، بعدما وصل "العم سام" إلى حد التهديد باستعمال القوة العسكرية ناهيك بتحريك عجلة الحرب الاقتصادية بين أكبر سوق في العالم، أي الإتحاد الأوروبي وأقوى اقتصاد في العالم، أي "أميركا"!

في الأيّام الأخيرة، وفي ظل إصرار ترامب على ضم غرينلاند، بحجة ضمان أمن الولايات المتحدة الأميركية الإستراتيجي، بعدما كان قد تحدث سابقاً طويلاً عن المعادن النادرة في باطنها، عملت الإدارة الأميركية على تهميش أوروبا، أبعدتها عن مجلس السلام في غزة، ولم توجه دعوات سوى إلى الدول التي خرجت من الاتحاد (بريطانيا) أو التي يحكمها اليمين المتطرف (إيطاليا والمجر)، وشلّت عملياً لجنة الميكانيزم المعنية بتنفيذ تفاهم وقف النار بين إسرائيل ولبنان، لتهمّش دوري فرنسا والأمم المتحدة، ونسقت سيطرة الحكومة السورية المركزية في مناطق حيوية كان يسيطر عليها الأكراد الذين طالما تعهدت أوروبا حمايتهم، وجعلت مجلس الأمن الدولي مجرد منتدى لمناقشة الأوضاع في العالم، وسحبت منه القدرة على اتخاذ القرارات، وقادت الأوضاع في أوكرانيا بما يتلاءم مع مصالحها على حساب الدول الأوروبية.

لم يعد الحلفاء بالنسبة للإدارة الأميركية حلفاء. أصبحوا، طالما هم يقاومون الإنصياع، خصوماً!

ولم تنجُ إسرائيل نفسها من نهج ترامب هذا. في غزة عليها أن تقبل ما يريده هو. تركيبة مجلس السلام كما خطط لها ترامب تثير غضب قادتها، وحتى صديقه بنيامين نتنياهو وجد نفسه في موقع "المقهور". وما يصح على غزة يصح أيضاً على خطط الرئيس الأميركي الخاصة بسوريا، فهو لا يريدها دولة موزعة على دول النفوذ الإقليمي، وفق التطلعات الإسرائيلية، بل يريدها دولة موحدة ضمن المنظومة الأميركية. وحال إسرائيل في علاقة ترامب مع السعودية ليست وفق ما تشتهي، لقد تحوّلت المملكة في الأشهر الأخيرة إلى قوة تأثير في واشنطن توازي، بنسبة كبيرة تلك التي تتمتع بها تل أبيب. لم تكن الرياض بحاجة إلى الانضمام إلى اتفاقات إبراهيم لتأخذ من البيت الأبيض ما تريده، كما كانت عليه الحال سابقاً. ولن تتمكن لا روسيا ولا الصين من حماية إيران، ففي اللحظة التي يحسم فيها ترامب توجهه العسكري الحاسم، سوف يتراجع الجميع إلى مقاعد المشاهدين!

وإذا كانت هذه حال الدول المؤثرة والاتحادات الإقليمية القوية، فما يمكن أن تكون عليه حال دول ضعيفة وفقيرة ومتآكلة، كما هي حال لبنان، إن بقيت عاجزة عن حسم موقفها من سلاح "حزب الله" الذي أصبح خارج الزمن الحديث ولا بد من نزعه، سواء بالتفاهم أو بالحرب!