أكراد سوريا في مهبّ المصالح الإقليميّة والدوليّة... وتبدّل الخرائط تحت أنظار أميركا
انتهت تجربة الحكم الذاتي للأكراد في سوريا التي انطلقت عام 2011. هذا ما تثبته التطورات الميدانية المتسارعة في حلب والرقة ودير الزور. تطورات من شأنها توسيع سيطرة الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع إلى مناطق القمح والنفط.
والسقف السياسي الداخلي للعملية العسكرية كان المرسوم الذي أصدره الشرع ليل الجمعة، ويعترف فيه باللغة الكردية "لغة وطنية" وبالنوروز "عيداً وطنياً"، إلى منح الجنسية لكل الأكراد المقيمين في سوريا. وبذلك، انطوى أي كلام عن نظام فيدرالي أو لا مركزي.
ما جرى في غرب الفرات وشرقه يتصل اتصالاً وثيقاً برغبة تركيا في تدعيم الحكم الجديد في دمشق، ويضع حداً لمطالب أكراد سوريا بأن ينالوا خصوصية معينة، فيدرالية أو لا مركزية، في المناطق التي يشكلون فيها الغالبية في شمال شرق سوريا.
وكان لتركيا تفسيرها الخاص لاتفاق العاشر من آذار/مارس من العام الماضي، بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديموقراطية (قسد) برئاسة مظلوم عبدي. ولطالما اعتبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن نداء زعيم "حزب العمال الكردستاني" عبد الله أوجلان لإلقاء السلاح يسري أيضاً على "وحدات حماية الشعب" الكردية، التي تشكل العمود الفقري لـ"قسد"، والتي تعتبرها أنقرة النسخة السورية لـ"حزب العمال الكردستاني".
رفضت تركيا رفضاً مطلقاً احتفاظ أكراد سوريا بأي خصوصية تُبقي على "إدارة ذاتية" بنكهة سياسية على حدودها الجنوبية. وبدا واضحاً أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يميل إلى أردوغان في هذه النقطة، ولو على حساب التحالف الذي كان قائماً بين واشنطن و"قسد" منذ 2014 ضد "داعش".
ويلتقي ترامب وأردوغان على أن مسألة محاربة "داعش" في سوريا يجب أن تُعهد الآن إلى الحكومة السورية، خصوصاً بعد انضمام دمشق رسمياً العام الماضي إلى "التحالف الدولي" الذي تقوده أميركا.

في هذا المعرض يُطرح سؤال مركزي: هل انتفت الحاجة الأميركية إلى أكراد سوريا؟
على مدى عام، سعى المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك إلى إقناع "قسد" بأن سوريا لا تتحمل قيام نظام فيدرالي أو لا مركزي، مع اعترافه بضرورة منح بعض الامتيازات للأكراد، مماثلة لتلك التي وردت في مرسوم الشرع.
وأكثر من ذلك، أكد ترامب حتى أمام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه مستعد لحل الخلافات بينه وبين أردوغان، تعليقاً على الحذر الذي كانت تبديه إسرائيل إزاء طموحات تركيا في سوريا.
وسبق لإسرائيل أن قدّمت نفسها حامية للأقليات في سوريا، وخصوصاً الدروز والأكراد. ومن الملاحظ أن معركة شمال شرق سوريا بدأت بعد أيام من استئناف المفاوضات بين سوريا وإسرائيل في باريس في 5 كانون الثاني/يناير الجاري، بالتزامن مع زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان للعاصمة الفرنسية، والأنباء عن تقدم نحو اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل يلحظ مطالب إسرائيل في جعل الجنوب السوري منطقة منزوعة السلاح أو على وجود محدود للقوات السورية.
أميركا في صلب الأحداث السورية اليوم، وطائرات "التحالف الدولي" تحلّق فوق شمال شرق سوريا وتشرف على تبدّل خرائط السيطرة الميدانية والإقليمية، وترسم حدود النفوذين التركي والإسرائيلي في سوريا، وهي ترى في الجانبين لاعبين رئيسيين هناك. وترامب بحاجة إلى أردوغان كما هو بحاجة إلى نتنياهو.
هي لعبة استراتيجية تشير إلى انتهاء دور الحليف الكردي في سوريا.
ولا بد أن يترك تبدّل الخرائط في سوريا انعكاساته على بقية المنطقة، وعلى وضعية الأكراد في دول أخرى. ويجب التوقف عند إعلان أوجلان اليوم أن القتال الدائر بين الجيش السوري والقوات الكردية في شمال شرق سوريا هو بمثابة "محاولة لتخريب عملية السلام" التي بدأت في تركيا مع مقاتلي "حزب العمال الكردستاني".
نبض