يوم العزم... تلاحمٌ وجاهزية
في "يوم العزم"، يعود السابع عشر من كانون الثاني/ يناير لا كذكرى تُروى، بل كموقفٍ يُقاس به معنى الدولة حين تُستهدف.
في 17 يناير 2022 واجهت الإمارات هجوماً إرهابياً نفّذه الحوثيون في محاولة لامتحان أمنها واستقرارها والتشويش على صورة دولة تمضي بثقة في مسارها. وتجدّد الاستهداف بعد ذلك بأيام، بما أكد أن المقصود كان منشآت مدنية وإيقاع حياةٍ كاملة لا مجرد رسالة أمنية. لكن الرد لم يكن انفعالاً ولا ارتباكاً؛ كان تماسكاً وطنياً وعملاً مؤسسياً سريعاً، وصفّاً مجتمعياً واحداً، أكّد أن الاتحاد لا يتراجع حين تُمس سلامته، وأن الجاهزية ليست ظرفاً طارئاً، بل جزءٌ من هوية الدولة وقدرتها على صون نموذجها المتفوّق.
ومن هنا وُلد اسم "يوم العزم"؛ فالعزم هو العنوان الذي يليق بتلك الساعات التي قالت فيها الإمارات إن أمنها ليس مساحة للمساومة. وكما أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان "نحن دعاة سلام وخير ومحبة، لكننا في الوقت ذاته أصحاب عزم وهمّة حينما يتعلق الأمر بتهديد أمننا". لذلك لا تأتي الذكرى لتبديل نهج الدولة، بل لتأكيده كما هو منذ قيام الاتحاد. دولة تفتح أبوابها للسلام والعمل، وتعرف متى تُحكم أبوابها على الخطر، وتواصل طريقها بثقة.
الذكرى الرابعة لـ"يوم العزم" تعيد التذكير بما حدث يومها كما هو. المواطن والمقيم عاشا الساعات نفسها، ورأيا كيف تتحرك مؤسسات الدولة بهدوء وفاعلية وشفافية وكيف بقيت الحياة على انتظامها. وفي هذا يظهر التلاحم بين القيادة والشعب بصورته الطبيعية، ثبات في القرار ووحدة في الموقف.
اتضح في ذلك اليوم أن الرسالة لم تتوقف عند حدود الإمارات. المواقف الدولية التي صدرت لم تكن بروتوكولية، بل موقف واضح من منطق استهداف الاستقرار عبر الإرهاب. وقد تجلّى ذلك في بيانات إدانة وتضامن صدرت عن عواصم غربية كبرى، إلى جانب مواقف إقليمية واضحة، أكدت حق الإمارات في حماية أمنها. فالإمارات ليست دولة تُمسّ وحدها، بل ركيزة استقرار في محيطها الإقليمي وشريك دولي فاعل في مسارات التجارة والطاقة وحركة الاقتصاد. لذلك جاء التضامن بوصفه دفاعاً عن فكرة أبعد من حادثة، ودفاعاً عن حق الدول في أن تبني وتزدهر من دون أن تُبتزّ بالفوضى.
ويكتمل معنى "يوم العزم" حين يُرى ضمن الصورة التي اختارتها الإمارات لنفسها. الأمن هنا ليس عنواناً بديلاً من التنمية، بل شرطها العملي. وفي يناير 2026، تزامناً مع الذكرى، جمعت أبوظبي العالم في أسبوعها للاستدامة عبر لقاءات وشراكات اقتصادية وتنموية تعكس استمرار النهج نفسه. وفي المناخ ذاته، انضمّت الإمارات رسمياً في منتصف يناير 2026 إلى إعلان "باكس سيليكا" مع الولايات المتحدة، في خطوة تتصل بتأمين سلاسل توريد التكنولوجيا المتقدمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والبنية الرقمية.
وهذه الشراكات لا تُفهم خارج الفكرة الأوسع التي تكررها الإمارات في سياستها الخارجية، الاستقلال الاستراتيجي خيار ثابت يتغذى من تعددية العلاقات وتوسيع الخيارات، من الشراكات الاقتصادية إلى الحضور في منصات دولية متنوعة، بما يقلّل الاعتماد على طرف واحد ويمنح القرار مساحة أوسع في عالم مضطرب. من يستهدف الإمارات بالإرهاب يحاول التشويش على إيقاعها، لكن الرد يأتي في الواقع اليومي. مؤسسات تعمل، اقتصاد يتحرك، وشراكات تُبنى على المصالح المشتركة، واستثمار في الاستدامة بوصفها جزءاً من اقتصاد المستقبل.
وفي قلب هذه الصورة تبرز الجاهزية. القوات المسلحة بما تملكه من قدرة ردع وحماية، ومؤسسات الدولة التي تعمل بإيقاع واحد حين تتطلب اللحظة سرعةً ودقة. ومع تبدّل طبيعة المخاطر، تتقدم الجاهزية بوصفها عملاً مركباً تشترك فيه القوات المسلحة وهيئات الطوارئ ومؤسسات إنفاذ القانون. في الخلفية تتكامل منظومات الرصد المبكر وتبادل المعلومات مع الحلفاء، وتتحول التقنية إلى رافعة عملية ترفع سرعة الاستجابة ودقتها وتبقي الخدمات الأساسية على استقرارها. و"يوم العزم" يختصر هذه المعادلة كما عاشتها الإمارات، أمنٌ يصون الاستقرار ويمنح مسار التنمية مساحةً أوسع للمضي إلى الأمام.
إذا كان الإرهاب يراهن على إضعاف الدولة من الداخل، فالرد الإماراتي يذهب إلى تثبيت معناها وحماية المجتمع من آثار الفوضى.
من هنا لا يُفصل "يوم العزم" عن الجانب الإنساني في سياسة الإمارات الخارجية، ولا عن حضورها الإغاثي والتنموي حيثما اشتدت الحاجة. فمواجهة التطرف لا تُختزل بالأمن وحده، بل تمتد إلى حماية الإنسان، ودعم الاستقرار، وفتح مسارات التعافي في مجتمعات أثقلتها الصراعات.
في 17 يناير تأتي الذكرى كتأكيدٍ هادئ على قاعدة واضحة. من يستهدف الإمارات بالإرهاب يواجه دولة تعرف كيف تحمي أمنها من دون أن تغيّر إيقاعها، تمضي في التنمية، وتوسّع شراكاتها، وتبقي حضورها الإنساني ممتداً حيث تدعو الحاجة.
*كاتب إماراتي
نبض