الجغرافيا في قلب الصراع بين ترامب وأوروبا

كتاب النهار 14-01-2026 | 04:16
الجغرافيا في قلب الصراع بين ترامب وأوروبا
قد لا تُشترى غرينلاند، لكن إخضاعها لنفوذ واسع لم يعد سيناريو خيالياً. ففي عالم يتجه نحو صراع الموارد والممرّات والمواقع، تصبح الجزيرة المتجمّدة قطعة دافئة في عقل الاستراتيجيات الكبرى.
الجغرافيا في قلب الصراع بين ترامب وأوروبا
رئيس حكومة غرينلاند والرئيس الأميركي دونالد ترامب. (أ ف ب)
Smaller Bigger

منذ عودته إلى صدارة المشهد السياسي الأميركي، لم يخف دونالد ترامب ثباته على فلسفته الأساسية في السياسة الدولية: العالم ليس منظومة قواعد وتحالفات بقدر ما هو ساحة صفقات كبرى، والجغرافيا ليست حدوداً قانونية جامدة، بل أصول استراتيجية قابلة للسيطرة أو إعادة تعريف النفوذ عليها.

في هذا الإطار، تعود غرينلاند إلى الواجهة مجدداً، لا كجزيرة نائية في أقصى الشمال، بل كقطعة مركزية في لعبة القوى الكبرى، وهدف محتمل في الحسابات الجيوسياسية لترامب.

غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، تحتل موقعاً فريداً عند تقاطع ثلاث دوائر استراتيجية، القطب الشمالي، شمال الأطلسي، والممرات البحرية الجديدة التي يعيد تغيّر المناخ رسمها. ومع التسارع غير المسبوق في ذوبان الجليد، لم تعد المنطقة القطبية هامشاً جغرافياً بارداً، بل تحولت إلى قلب صراع جديد تتقاطع فيه التجارة والطاقة والأمن. طرق شحن أقصر بين آسيا وأوروبا، احتياطات ضخمة من المعادن النادرة والنفط والغاز، وأهمية متزايدة لمواقع الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي، كلها عوامل تجعل من غرينلاند جائزة استراتيجية مغرية.

رسمياً، تتبع غرينلاند مملكة الدنمارك، لكنها تتمتع بحكم ذاتي واسع، وهو تفصيل بالغ الأهمية في عالم السياسة الواقعية. فهذا الوضع القانوني الرمادي يفتح الباب أمام صيغ نفوذ غير تقليدية، لا تصل إلى حدّ الضم أو "الشراء"، لكنها قادرة على تفريغ السيادة من مضمونها العملي.

عندما طرح ترامب في عام 2019 فكرة "شراء غرينلاند"، استُقبلت بسخرية أوروبية ورفض دنماركي قاطع، غير أن الخطأ الشائع كان التعامل مع الفكرة باعتبارها نزوة أو استفزازاً إعلامياً. فترامب لا ينظر إلى الحدود بوصفها خطوطاً مقدسة، بل يرى الأراضي كأصول، والسيادة كنتاج للقوة، والسياسة الخارجية امتداداً مباشراً لمنطق "الصفقة الرابحة". من هذا المنظور، لم تكن غرينلاند فكرة عابرة، بل هي مؤشر مبكر إلى تصور أوسع لإعادة رسم النفوذ الأميركي في الشمال، في مواجهة صعود الصين وعودة روسيا.

خلال العقد الأخير، عززت روسيا وجودها العسكري في القطب الشمالي، وأعادت تأهيل قواعدها وبنيتها التحتية، فيما وسّعت الصين استثماراتها في الموانئ، والمعادن، والمشاريع البحثية، وقدّمت نفسها بجرأة باعتبارها "دولة قريبة من القطب". هذا التمدد المزدوج يثير قلق واشنطن، وترامب تحديداً، الذي يتعامل مع أيّ فراغ استراتيجي باعتباره خسارة مباشرة للنفوذ الأميركي. في هذا السياق، تتحول غرينلاند إلى نقطة ارتكاز عسكرية، ومنصّة رصد وإنذار مبكر، وحاجز جيوسياسي أمام تمدد الخصوم.

غير أن المشهد لا يقتصر على واشنطن وخصومها، فهنا تحديداً يجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام ورطة استراتيجية حقيقية. فغرينلاند تمسّ مباشرة الأمن الأوروبي، وحدود النفوذ في شمال الأطلسي، ومبدأ السيادة الذي يقوم عليه البناء الأوروبي ذاته. لكن التعامل مع هذا الملف يجري في ظل اعتماد أوروبي عميق على الولايات المتحدة أمنياً عبر الناتو، وفي وقت يفتقر فيه الاتحاد الأوروبي إلى أدوات ردع مستقلة في القطب الشمالي.

الصدام المباشر مع إدارة أميركية يقودها ترامب يبدو خياراً محفوفاً بالمخاطر وغير مضمون النتائج. وفي المقابل، فإن التساهل مع تمدد أميركي أحادي قد يُفسَّر كتنازل استراتيجي يفتح الباب أمام سابقة خطيرة. لذلك، يميل الأوروبيون إلى سياسة المنطقة الرمادية، دعم سيادة الدنمارك سياسياً، وتعزيز الحضور الأوروبي الاقتصادي والتنموي في غرينلاند، دون تحويل الملف إلى مواجهة مفتوحة مع واشنطن. استثمارات في البنية التحتية، والطاقة النظيفة، والتعليم، وتقديم بدائل تمويل أوروبية، كلها أدوات تهدف إلى تقليص جاذبية "العرض الأميركي" دون الإعلان عن ذلك صراحة.

في الوقت نفسه، يحاول الاتحاد الأوروبي تدويل القضيّة بهدوء، عبر أطر التعاون القطبي والالتزام الخطابي بالقانون الدولي، مع تجنب أي تصعيد لغوي قد يفسّره ترامب كاستفزاز مباشر. إنها محاولة دقيقة للموازنة بين حماية المجال الجيوسياسي الأوروبي والحفاظ على علاقة عمل مع إدارة أميركية محتملة لا تؤمن كثيراً بالتعددية أو الحساسية الأوروبية.

ما تغيّر هذه المرة هو السياق الدولي نفسه. العالم أكثر اضطراباً، والقانون الدولي أضعف سياسياً، والصفقات غير التقليدية باتت أكثر قبولاً تحت ضغط الأزمات. وترامب، إن عاد أو رسخ نفوذه، فسيكون أقل اكتراثاً بردود الفعل الأوروبية، وأكثر استعداداً لاستخدام أدوات الضغط الاقتصادي، والإغراءات الاستثمارية، أو إعادة تعريف ترتيبات الحماية والسيادة بدلاً من احترامها بصيغتها التقليدية.

بدل سيناريو "الشراء" المباشر، قد نشهد صيغاً أكثر واقعية، اتفاقيات طويلة الأجل للسيطرة على الموارد، توسيع الوجود العسكري الأميركي، أو نفوذ اقتصادي كثيف يجعل السيادة القانونية قائمة شكلياً، بينما ينتقل القرار الفعلي إلى واشنطن.

أما سكان غرينلاند أنفسهم، فيقفون أمام معادلة شديدة التعقيد، رغبة متزايدة في الاستقلال، حاجة ملحّة للاستثمارات والتنمية، وخوف مشروع من التحوّل إلى ساحة صراع بين القوى الكبرى. وهنا تحديداً قد يجد ترامب مدخله الأكثر فعالية، الاقتصاد مقابل النفوذ.

غرينلاند ليست حالة منفردة، بل رمز لعالم ما بعد القواعد القديمة، حيث تعود الجغرافيا لتفرض نفسها، وحيث يُعاد تشكيل النفوذ بعيداً من الشعارات الليبرالية. ترامب لا يخترع هذا العالم، لكنه يتعامل معه بوضوح فجّ، من دون أقنعة ديبلوماسية.

قد لا تُشترى غرينلاند، لكن إخضاعها لنفوذ واسع لم يعد سيناريو خيالياً. ففي عالم يتجه نحو صراع الموارد والممرات والمواقع، تصبح الجزيرة المتجمّدة قطعة دافئة في عقل الاستراتيجيات الكبرى. وبين حلفاء متردّدين، وخصوم قلقين، وأوروبا تحاول المناورة دون صدام، تبقى غرينلاند اختباراً مبكراً لشكل النظام الدولي المقبل.