كتبتْ لي السيّدة فيروز افتراضيّاً ما يأتي أدناه

كتاب النهار 11-01-2026 | 12:20

كتبتْ لي السيّدة فيروز افتراضيّاً ما يأتي أدناه

بالتواضع المنسحق، بالغفليّة التامّة، وطبعًا خارج الصوت والصورة، وخارج أيّ شيء...
كتبتْ لي السيّدة فيروز افتراضيّاً ما يأتي أدناه
فيروز وابنتها ريما (النهار).
Smaller Bigger

شاركتُ السبتَ الفائت في العزاء بهلي. فكنتُ كمن يشترك في قدّاسٍ، أو جنّازٍ، لا أحد فيه، قائمٍ في الصمت، في اللّامكان، في اللّازمان، وليس فيه محلٌّ، ولو ضيّقٌ، لأيّ كلامٍ، وأيّ متطفّلٍ، ولا حتّى لخرمِ إبرة.

 

بالتواضع المنسحق، بالغفليّة التامّة، وطبعًا خارج الصوت والصورة، وخارج أيّ شيء. 
وهل يتّصل الروح بالروح، إنْ لم يتّصلا هكذا، أو بما يُشبَّه بهكذا.

هكذا يُفترَض بأيّ عزاءٍ أنْ يكون، وإلّا لا معنى لأيّ عزاء. 

 

في طريق العودة، وبعد وصولي إلى البيت، كأنّي تلقّيتُ -بالافتراض- هذه الحفنة من الأسطر والكلمات أدناه. وقد تلقّيتُها، لا أعرف كيف، وهي ليس فيها تسجيلٌ، ولا نصٌّ مكتوبٌ، ولا من طريق الرواية، أو أحد.

 

الأرجح أنّي تلقّيتُها – هذه الأسطر والكلمات - من بصيرة قلبي، من بصيرة عقلي، من عينيَّ، وهما تنظران وتَرَيان، فلا تنظران ولا تَرَيان. لكأنّ ذلك كلّه يُتلقّى من بنات القلب، أو المطر، أو النسيم، أو الغيوم، أو الحبق، أو الناردين، أو الخزامى، أو اللبان، أو العقل، ولستُ أدري. 

 

لكنّ هذه الأسطر والكلمات أشكّ في أنّها من أفعال الحسّ البشريّ، وإنْ تكن من أبواب الحسّ والظنّ. 

 

فحواها ما يأتي: 
"قلتُ كلّ ما أريد قوله عن حياتي، عن وجودي، وعن الوجود كلّه، بدون أنْ أكتب مذكّراتي، أو أروي سيرتي، ومَن معي، ومَن حولي، وبدون أنْ أجري حواراتٍ – إلّا نادرة - مع كتّابٍ وصحافيين. 
في الحقيقة، كنتُ فكّرتُ في أوقاتٍ سابقة، أنْ أروي شيئًا من ذلك، وقد أخذني التردّد، لكنّي في النهاية قرّرتُ الاكتفاء بما كتبه صوتي، وبما لم يكتبه هذا الصوت، ولم ينشره. 
صوتي، هو سيرتي، ومذكّراتي، وحياتي، المعلومة وغير المعلومة.

 

أمّا هذا الذي لم يُعلَم من صوتي، ولم يكتبه صوتي، ولم ينشره، فمدوَّنٌ في أنسجة الصوت، في ضميره وخاماته وطبقاته ومراتبه الدفينة واللّاواعية، وهو أصعب من أنْ يُسمَع، أو يرى النور والضوء، أو أنْ تُفَكّ رموزه، بل هو أبعد مرامًا من أنْ يقع تحت العقل والحواسّ، ولا خصوصًا السماع والأذن.

 

صوتي هو سرّيَ المعلن، وهو سرّيَ الذي سيظلّ طيّ الكتمان، أو التأويل، ولن تستطيع أنْ توثّقه الألحان والأغنيات والكلمات. فكيف تفسّره النصوص والأشعار والمقالات المكتوبة عنه!

إنّه سرّيَ المجهول منّي، أنا أيضًا. 

 

وهو سرٌّ لا أستطيع أنا نفسي أنْ أعرفه، أو ألمسه، أو أدرك كنهه. وأحيانًا، هو لا يتناهى إليَّ إلّا بالظنّ. فكيف يكون يتناهى إلى المستعمين؟!

 

اخترتُ الصمتَ منذ البداية. ربّما هو الذي اختارني. لكنْ، أيًّا يكن الأمر، هو سيرتي، ومذكّراتي. وهو لغتي المفضّلة. بل هو صوتي المفضَّل. 

 

الصمتُ هو لغةٌ مطلقة. وقد اختارتني هذه اللغة. وأنا قد اقتبلتُ هذين الخيار والاختيار.

 

وهو صوتٌ مطلق، هذا الصمتُ. لكنْ، ليتني أستطيع أنْ أفهم. مَن يستطيع أنْ يفهم؟!
عندما أكون وحدي، أكون في حياتي، في لغتي، وفي صوتي. وهو الصمتُ مطلقًا. وإنّها لأحمالٌ أكثر من سيزيفيّة. وينوء تحتها الشخص البشريّ. فكيف لا ينوء بها مَن يحملها عن ذاته، وعن الآخرين، وفي الآخرين. أكانوا أهلًا، أم أشخاصًا معروفين وغرباء، أم أوطانًا، أم أحلامًا سليبة؟! 

 

وكيف لا تكون مأساةٌ، عندما أكون أنا بيت هذا الصمت، وهذا الصوت؟!

 

تعرّضتُ لسوء الفهم. لا شكّ في ذلك. حينًا بحسن نيّة، وفي أحايين بسوء نيّة، إلى حدٍّ لا يتحمّله حتّى الحجر الصلد.

 

ماذا أنا؟ مَن أنا؟ أنا صوتٌ في البرّيّة. 
والبرّيّة هي هذه الحياة المكلومة. وأنا صوتها". 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 1/10/2026 6:15:00 AM
أعلن مسؤولون صحيون في غزة مقتل 13 شخصاً في الوقت الذي كان من المتوقع أن يعلن فيه ترامب عن مجلس السلام للإشراف على الهدنة الهشة
المشرق-العربي 1/10/2026 2:55:00 AM
لا يزال مئات الآلاف  يعيشون في أماكن هشة. وتعرّضت الخيم لأضرار أيضاً بعد عاصفة في أوائل كانون الأول/ ديسمبر...
المشرق-العربي 1/10/2026 6:40:00 PM
الجيش السوري: سنبدأ بتسليم جميع المرافق الصحية والحكومية إلى مؤسسات الدولة وننسحب تدريجياً من شوارع حي الشيخ مقصود
المشرق-العربي 1/10/2026 5:47:00 PM
المبعوث الأميركي إلى سوريا: التقيت بالرئيس السوري ووزير الخارجية لمناقشة مستجدّات الأوضاع في حلب