النموذج الفنزويلي يرسي "مبدأ ترامب": الضربات الخاطفة في خدمة السياسة الخارجية
بعد هجوم السبت على فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وجلبه إلى نيويورك ليخضع للمحاكمة بتهمة الاتجار بالمخدرات، لم يتوقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إطلاق التهديدات ضد كولومبيا وكوبا والمكسيك وإيران، وإعادة التذكير بأن الولايات المتحدة يجب أن تسيطر على جزيرة غرينلاند التابعة لسيادة الدانمارك، البلد العضو في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي.
وإذا كانت الاتهامات الموجهة إلى المكسيك وكولومبيا تتعلق بتسهيل تجارة المخدرات المتجهة إلى الولايات المتحدة، فإن كوبا متهمة بمساندة مادورو ومن قبله هوغو تشافيز. أما إيران، فمتهمة بقتل المتظاهرين الذين يحتجون على تردي الأوضاع المعيشية، في حين أن الأسباب الموجبة للسيطرة على غرينلاند الواقعة في عمق المحيط الأطلسي قريباً من القطب الشمالي، فهي أن السفن الروسية والصينية تحيط بالجزيرة، مما يهدد الأمن القومي الأميركي.
بناءً على الضربات الأميركية التي أمر بها ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض قبل نحو عام، وشملت اليمن وإيران وسوريا والعراق والصومال ونيجيريا وأخيراً فنزويلا، لم يعد مستبعداً أن يرى سكان غرينلاند أنفسهم وقد باتوا تابعين للسيادة الأميركية بين ليلة وضحاها.
تجاوز ترامب "مبدأ مونرو" (نسبة إلى الرئيس جيمس مونرو من القرن التاسع عشر، الذي رفض التدخل الأجنبي في أميركا الجنوبية)، ليفرض ما تجوز تسميته "مبدأ ترامب" القائم على أن الولايات المتحدة هي الشرطي الجيد، ليس في أميركا الجنوبية فحسب، وإنما في أنحاء العالم.
والبوصلة التي تحرك ترامب هي النفط وما يطلق عليها الأتربة النادرة. والوساطات التي قام بها لوقف "الحروب الثماني"، بحسب تعبيره، تضمنت بعداً تجارياً من مناجم أوكرانيا إلى مناجم غوما بالكونغو الديموقراطية، وحتى صفقة الأسلحة بـ11 مليار دولار لتايوان، تقف خلفها الشهية للحصول على أشباه الموصلات التي تعتبر تايبيه رائدة في تصنيعها.

وفي معرض تبرير التدخل في فنزويلا، يرفع ترامب شعار استعادة حق الشركات الأميركية "المسروق" على يد مادورو وسلفه هوغو تشافيز، بسبب طرد هذه الشركات وتأميم قطاع الطاقة، والاستعانة بخبرات صينية وروسية.
والنفط الفنزويلي، بحسب ما يعتزمه ترامب، سيتحول سلاحاً في الضغط على روسيا وإيران، وقد تطاول شظاياه دول "أوبيك" و"أوبيك+". لم يعد البيت الأبيض مهتماً بنوع النظام الذي سيحكم في كراكاس، ما دامت أميركا هي التي ستستخرج النفط وتبيعه، والدليل أن الإدارة الأميركية تمد اليد لنائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز، وتتجاهل زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو الحائزة جائزة نوبل للسلام العام الماضي، التي كان ترامب يمنّي النفس بها.
وضع ترامب رودريغيز أمام خيار اتخاذ "القرار الصائب" أو استكمال العمليات العسكرية. والرئيسة الموقتة أبدت، في رسالة وجهتها بالإنكليزية، انفتاحاً على التعاون مع واشنطن على أساس إقامة "علاقات محترمة... في إطار القانون الدولي لتعزيز التعايش المجتمعي الدائم".
وكولومبيا والمكسيك وكوبا هي تحت الضغط الآن للتجاوب مع المطالب الأميركية. وكذلك هي الحال مع إيران، لأسباب تتعلق بالبرنامج النووي أكثر مما تتعلق بالنظام الإيراني نفسه أو بالوقوف إلى جانب المتظاهرين بدوافع مطلبية.
واستنتجت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية أن خطة ترامب الآخذة في التشكل، والمستندة إلى استخدام القوة، تطلق "عصراً جديداً من ديبلوماسية البوارج".
نبض