.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
ربما يكون العام الجديد فرصة أوروبا الأخيرة لتجاوز أزمتها الهيكلية. رغم قوتها الاقتصادية الهائلة فهي تعاني من عدم استقرار استراتيجي وتشرذم سياسي، يختبر قدرتها على العمل كفاعل جيوسياسي متماسك.
ربما يكون العام الجديد فرصة أوروبا الأخيرة لتجاوز أزمتها الهيكلية. رغم قوتها الاقتصادية الهائلة فهي تعاني من عدم استقرار استراتيجي وتشرذم سياسي، يختبر قدرتها على العمل كفاعل جيوسياسي متماسك. لا تزال الحرب في أوكرانيا مركز الأزمة الرئيسية. فإلى جانب مأساتها الإنسانية، كشفت عن اعتماد أوروبا المستمر على القوة العسكرية التي توفرها الولايات المتحدة.
ورغم زيادة الإنفاق الدفاعي والخطابات حول "الاستقلال الاستراتيجي"، لا تزال أوروبا تكافح لتحويل مواردها إلى قدرات عسكرية فعّالة وسريعة. ولا تكمن المشكلة في المال فحسب، بل في التنسيق والقدرة الصناعية والإرادة السياسية. ومع استمرار الحرب حتى عام 2026 دون حل حاسم، يتسلل الإرهاق إلى الناخبين والحكومات والمؤسسات، بينما تراهن روسيا على هذا التآكل في العزيمة.
تُغذي هذه المعضلة الأمنية بشكل مباشر عدم الاستقرار السياسي في أوروبا. ففي جميع أنحاء القارة، تعاني الأحزاب الرئيسية من الضعف، والحكومات الائتلافية من الهشاشة، بينما تزدهر القوى الشعبوية، القومية منها والمناهضة للمؤسسة الحاكمة. وتختلف هذه الحركات في أيديولوجيتها، لكنها تشترك في التشكيك في الحوكمة فوق الوطنية، والالتزامات الدفاعية الطويلة الأمد، والتضامن في قضايا الهجرة.
أما على المستوى الاقتصادي، فتواجه القارة تحدّياً أقلّ وضوحاً ولكنّه لا يقل أهمية، وهو التراجع النسبي في الصناعات الاستراتيجية. فمن أشباه الموصلات إلى الذكاء الاصطناعي إلى الصناعات الدفاعية، تُخاطر أوروبا بأن تصبح جهةً تُصدّر القواعد دون امتلاكها القوّة الصناعية اللازمة لدعم معاييرها. ولا يمكن للتنظيمات الطموحة والتشريعات الكثيرة والمعقدة أن تحلّ محلّ الابتكار والتوسّع والسرعة. وفي الوقت نفسه، يُضيف التحوّل الأخضر - وهو أمرٌ ضروري ولا مفرّ منه - ضغوطاً مالية واجتماعية في وقتٍ تُعاني فيه المالية العامة من ضغوطٍ متزايدة، ويُصبح فيه الناخبون أكثر حساسيةً لقضايا تكلفة المعيشة.
ولا تزال الهجرة القضية الأكثر حساسية سياسياً. فمن الناحية الديموغرافية، تحتاج أوروبا إلى الهجرة، بينما من الناحية السياسية، فهي تقاومها. وهذا التناقض يغذي الانقسامات الداخلية، ويقوّض الثقة بين الدول الأعضاء، ويوفر بيئة خصبة للخطابات المتطرّفة. وتبقى الاستجابات السياسية ردود فعل ووطنية بدلاً من أن تكون استراتيجية وأوروبية، ما يعزز الشعور بالشلل المؤسسي.
أما على المستوى الدولي، فأكثر من أي وقتٍ مضى تتعرّض أوروبا لضغوط متزايدة نتيجة المنافسة المتصاعدة بين القوى العظمى. لا تزال الولايات المتحدة لا غنى عنها، لكنها غير قابلة للتنبؤ في عصر ترامب. أمّا الصين، فهي في الوقت نفسه شريك ومنافس وخصم استراتيجي. وتنظر أفريقيا ودول الجنوب العالمي بشكل متزايد إلى أوروبا من منظور نفعي، متسائلةً عما إن كانت ديبلوماسيتها القائمة على القيم مصحوبة بالتزام طويل الأمد ذي مصداقية. تسعى أوروبا إلى النفوذ دون إكراه، والاستقلال الذاتي دون مواجهة، والقيادة دون هيمنة - وهو توازن دقيق يصعب الحفاظ عليه في عالم بات أكثر قسوة.
لا تكمن المشكلة الأساسية التي تواجهها أوروبا راهناً في نقص القدرات، بل في غياب الوضوح الاستراتيجي. هل الاتحاد الأوروبي مشروع سلام بالدرجة الأولى، أم قوة تنظيمية عظمى، أم فاعل جيوسياسي مستعد للدفاع عن مصالحه؟ كل رؤية تنطوي على مفاضلات وتكاليف وسرديات سياسية مختلفة. ربما في الماضي كان تجنب الاختيار ممكناً، لكنه بات الآن مستحيلاً.
لذلك سيعتمد مستقبل أوروبا بشكل أقل على التصريحات والشعارات وأكثر على القرارات الصعبة، من خلال إعطاء الأولوية للدفاع على التوافق، والتنافسية على الرضى بالوضع الراهن، والصمود على المدى الطويل على الراحة السياسية القصيرة الأجل. ومن المتوقع أن يحدد العام الجديد وما يليه من السنوات المقبلة ما إن كانت أوروبا ستتكيف مع واقع جيوسياسي أكثر قسوة، أم ستتحلل إلى كيانات قومية تابعة.