تصدّع مكانة إسرائيل داخل الحزب الجمهوري

العالم العربي 29-12-2025 | 05:00
تصدّع مكانة إسرائيل داخل الحزب الجمهوري

تشير بيانات حديثة إلى حدوث تحول عميق وغير متوقع داخل صفوف الحزب الجمهوري؛ فمكانة إسرائيل لم تعد بالثبات الذي كانت عليه، وهي تواجه الآن تحديات أيديولوجية وجيلية ودينية تهدد بتفكيك الإجماع الذي ساد عقوداً.

تصدّع مكانة إسرائيل داخل الحزب الجمهوري
الخيار الإبادي لنتنياهو ماضٍ في إعادة تشكيل العالم ضد إسرائيل، على نحوٍ غير مسبوق (أ ف ب).
Smaller Bigger

رغم التوقف المضطرب للحرب في غزة، فإن إسرائيل ما زالت تخسر كل يومٍ كثيراً من الدعم على الجبهة الرمزية في العالم، وخصوصاً داخل المجتمع السياسي الأميركي.

لطالما كان الدعم الثابت لإسرائيل حجر الزاوية في الحزب الجمهوري الأميركي. وفي الوقت الذي كان فيه هذا الدعم شبه مطلق بين الناخبين الجمهوريين، تشير البيانات الحديثة إلى حدوث تحول عميق وغير متوقع داخل صفوف الحزب؛ فمكانة إسرائيل لم تعد بالثبات الذي كانت عليه، وهي تواجه الآن تحديات أيديولوجية وجيلية ودينية تهدد بتفكيك الإجماع الذي ساد عقوداً.

لا تتعلق هذه التغيرات بمجرد حسابات سياسية، بل بتحول أيديولوجي عميق، خصوصاً بين الجمهوريين الشباب. وتشير استطلاعات الرأي الجديدة، إلى وجود انقسام حاد بين الأجيال داخل الحزب الجمهوري، وهو ما يعكس جزئياً فجوة عمرية مماثلة ظهرت بين الديموقراطيين. يظل الجمهوريون الذين تقل أعمارهم عن 45 عاماً يدعمون دونالد ترامب والجمهوريين في الكونغرس، ويتمسكون عموماً بآراء محافظة ويمينية في العديد من القضايا. ومع ذلك، فهم يبتعدون عن الأجيال الأكبر سناً في ما يتعلق بدعم إسرائيل. وتشير البيانات إلى تحول ملموس في وجهات النظر، في ما يتعلق بالمساعدات الخارجية والإنفاق الداخلي وكذلك الموقف من شخصية نتنياهو، إذ يحمل الجمهوريون الأصغر سناً نظرة أقل إيجابية بكثير حيال رئيس الوزراء الإسرائيلي، مقارنة بالجمهوريين الأكبر سناً. ويُعزى هذا التحول جزئياً إلى صعود خطاب "أميركا أولاً" الذي يركز على المصلحة الوطنية الأميركية الضيقة، لكنه أيضاً أحد التأثيرات البعيدة للحرب.

لكن التحدي الذي يواجه مكانة إسرائيل لا يقتصر على الشباب الباحث عن خفض الإنفاق فحسب، بل يأتي أيضاً من الجناح اليميني الذي أصبح أكثر تأثيراً في سياسات الحزب. وقد ساعدت شخصيات إعلامية مؤثرة، مثل تاكر كارلسون، في إشاعة الآراء المناهضة للصهيونية. ويعتمد هذا الجناح على مبدأ "أميركا أولاً" ليقترح أن التحالف غير المشروط مع إسرائيل ينتهك الالتزامات الأساسية للحزب الجمهوري. وقد خلق هذا الواقع انقساماً حاداً داخل قادة الفكر الجمهوري. فبينما يصر بن شابيرو على أن الحزب "يأكله المتطرفون"، ويطالب الجميع باتخاذ موقف ضد هذا التوجه، نرى شخصيات رئيسية في حركة "ماغا"، مثل النائبة مارغوري تايلور غرين، تتخلى عن دعمها غير المشروط لإسرائيل، ويصوت النائب توماس ماسي ضد القرارات الداعمة لإسرائيل لأسباب تتعلق بـ"أميركا أولاً".

تقليدياً، كان الإنجيليون، هم القوة الدافعة الرئيسية وراء الدعم الجمهوري المطلق لإسرائيل. ومع ذلك، فإن موثوقية هذه القاعدة قد اهتزت، خصوصاً مع صعود القومية المحافظة، إذ انقسم الإنجيليون إلى ثلاثة معسكرات رئيسية. إنجيليو "ماغا"، المتحالفون مع الترامبية الذين ما زالوا داعمين أقوياء لإسرائيل. والإنجيليون التقليديون، الذين أصبحوا غير مرتاحين بشكل متزايد للدعم غير النقدي لإسرائيل. والمحافظون ما بعد الإنجيليين، وهم غالباً الأصغر سناً، الأقل دعماً لإسرائيل، بل والذين ظهر بين صفوفهم خطاب داعم للمسيحيين في فلسطين وعموم المشرق العربي المتأثرين ببشاعة الحرب. ويُظهر هذا الاستقطاب الديني أن الدعم المطلق لإسرائيل أصبح موضع نقاش لاهوتي وأخلاقي حتى في الأوساط التي كانت تعتبر "آمنة". فهذا التآكل في الأسس اليمينية التقليدية ينذر بحدوث صدع كبير سيغير ليس الحزب الجمهوري فحسب، بل سينتج منه تحول جذري في المشهد السياسي الأميركي.

في المدى القريب، ستظل هيمنة الرئيس ترامب على الحزب، إلى جانب مواقفه المؤيدة لإسرائيل، حاجزاً يمنع هذا التدهور في المكانة من أن تُترجم إلى سياسة فعلية. ومع ذلك، فإن هذا الوضع قد لا يستمر. ولا يبدو أنه سيستمر، ذلك أن الخيار الإبادي الذي اتخذه نتنياهو ماضٍ في إعادة تشكيل العالم ضد إسرائيل، على نحوٍ غير مسبوقٍ.