مصر: انتخابات برلمانية بأساليب الماضي!

كتاب النهار 09-12-2025 | 04:35
مصر: انتخابات برلمانية بأساليب الماضي!
يبدو واضحاً أن الحل يكمن في التخلي عن أساليب الماضي، وإعادة النظر في قواعد اللعبة نفسها، وإعادة بناء منظومة انتخابية تحمي حق المواطن في الاختيار الحر، وتضمن أن تكون المشاركة السياسية عملية مؤسسية محترمة تعكس إرادة المجتمع بصدق.
مصر: انتخابات برلمانية بأساليب الماضي!
الانتخابات في مصر شهدت استمراراً للفوضى الإجرائية (أ ف ب)
Smaller Bigger

منذ غياب تنظيم "الإخوان المسلمين" عن المشهد السياسي المصري، كانت التوقعات تشير إلى تحسن ملحوظ في أداء العملية الانتخابية، وظهور صورة أكثر نزاهة واحتراماً لإرادة الناخبين؛ فالجماعة التي عرفت في الماضي باحتراف وسائل التزوير والتلاعب بنتائج الانتخابات، ومعها بالطبع الحزب الوطني الذي كان حاكماً، كانت على الأقل معروفة بأساليبها وقدرتها على تبرير الخلل عبر شعارات دينية جاهزة، وكان من المفترض أن يتيح غيابها فرصة لإعادة تشكيل العملية الانتخابية في بيئة أكثر شفافية، وتوفير فرصة للمواطن ليعبّر عن اختياره بحرية من دون تدخلات مباشرة أو غير مباشرة، لكن الواقع أثبت أن الخلل لم يكن في وجود طرف بعينه، بل في النظام ذاته الذي يدير العملية الانتخابية.

فالانتخابات شهدت استمراراً للفوضى الإجرائية، وتكراراً للممارسات التي تجعل من كل دورة انتخابية اختباراً جديداً لصبر المواطن أكثر من كونها ممارسة ديموقراطية حقيقية. فمنذ فتح أبواب اللجان، تتكرر المشاهد نفسها: تضارب في محاضر الفرز، فقدان أصوات، ظهور أصوات إضافية، تأخر فتح بعض اللجان وإغلاق أخرى قبل الأوان، ضغط على الناخبين في بعض الدوائر، وحضور كثيف للمال السياسي الذي يتجول بحرية تثير التساؤلات حيال قدرة الدولة على ضبط العملية الانتخابية. وكل هذه الظواهر توحي أن الجهاز المشرف على الانتخابات غير قادر على أداء دوره بفعالية، وأن عملية الرقابة الداخلية ضعيفة، وأن التدخلات الخارجية، سواء الرسمية أو شبه الرسمية، صارت جزءاً من المشهد المعتاد، مما يضعف صدقية النتائج حتى قبل إعلانها.

نظام القوائم الانتخابية، الذي أُدخل بغرض تعزيز التمثيل الحزبي وتوسيع الخيارات أمام الناخب، تحوّل في الواقع أداةً لإعادة إنتاج القوى السياسية نفسها، وإلغاء القدرة الحقيقية للناخب على الاختيار الفردي؛ فالقائمة المغلقة تحصر الأصوات بمجموعة محددة مسبقاً من الأسماء، غالبية المواطنين لا يعرفونها، ولا يعرفون برامجها، ولا يستطيعون محاسبتها بشكل فعلي، بينما يظل القرار النهائي متعلقاً بالترتيب الداخلي للقائمة والشبكات السياسية التي تقف وراءها. وفي ظل ضعف الأحزاب المستقلة والمجتمع المدني، يصبح الناخب محكوماً بما تفرضه هذه القوائم، ويتقلص دوره من صاحب قرار إلى مشارك شكلي، يضع علامة على ورقة لا تعكس إرادته بشكل حقيقي.

وتشكل الإلغاءات القضائية المتكررة لنتائج عدد من الدوائر أبرز المؤشرات إلى عمق المشكلة. صحيح أن القانون يتيح الطعن والإلغاء عند ثبوت تجاوزات أو خروق، لكن تكرار الإلغاءات يوحي أن البيئة التي تُجرى فيها الانتخابات غير مؤهلة لإنتاج نتائج مستقرة وموثوقة، وإعادة الاقتراع في دوائر مُلغاة لا تصلح السبب، فهي إجراء موقت لإصلاح النتائج، بينما تظل الأسباب المؤدية للخلل قائمة، ما يجعل كل دورة انتخابية عرضة لتكرار المشهد نفسه، فالمواطن الذي يشارك في انتخابات تُلغى نتائجها ويُعاد الاقتراع في ظروف مشابهة، يجد نفسه أمام رسالة واضحة: العملية لا تعتمد على إرادة الناخب بقدر ما تعتمد على قدرة الأجهزة على تصحيح الأخطاء بعد وقوعها، والنتائج ليست انعكاساً لمبادئ المنافسة الحرة، بل نتيجة عملية إدارية متقنة الترتيب.

ويبدو أن تدخل الرئيس السيسي لتصحيح الأوضاع كشف اقتناعه بأن الأزمة ليست في الأخطاء الفردية أو التجاوزات الموقتة فحسب، بل في بنية النظام السياسي وعلاقته بالمواطنين. فالانتخابات ليست مجرد إجراءات رسمية، بل أداة لإضفاء شرعية على مؤسسات الدولة، وضمان تمثيل حقيقي للمجتمع داخل البرلمان. وعندما يفقد المواطن ثقته بأن صوته محترم أو مؤثر، تتآكل هذه الشرعية بشكل تدريجي وصامت. والناخب الذي يرى صوته يُقيد أو يُدار بعيداً من إرادته، ويدرك أن المال السياسي واللوبيات هي المتحكمة الحقيقية بالنتائج، يفقد الرغبة في المشاركة، ويصبح الصندوق رمزية بلا مضمون، والتمثيل شكلياً لا يعكس الواقع.

ويتطلب الإصلاح الحقيقي إعادة بناءٍ مؤسساتيةٍ شاملة، تشمل تطوير الهيئات المشرفة على الانتخابات لضمان استقلالها وحيادها، تعزيز الشفافية في محاضر اللجان، تقليص تأثير المال السياسي على النتائج، وتفعيل دور الأحزاب والمجتمع المدني في مراقبة الانتخابات. ومن دون هذه الخطوات، ستظل الانتخابات مجرد إجراء شكلي، وصندوق الاقتراع مجرد رمز، والشرعية التمثيلية مجرد كتابة على ورق لا تأثير لها على واقع الحياة السياسية. وفي ظل استمرار هذه الأزمة، ستظل الدولة تواجه تحدياً أكبر من مجرد تنظيم الانتخابات، فالثقة العامة التي هي حجر الأساس لأي نظام ديموقراطي، تتآكل نقطة تلو الأخرى، وتصبح المشاركة الشعبية مجرد عادة شكلية، لا ممارسة حقيقية للسيادة الشعبية.

وبالنظر إلى كل هذه المعطيات، يبدو واضحاً أن الحل لا يكمن في مجرد استبدال شخصيات أو أحزاب فحسب، بل في التخلي عن أساليب الماضي، وإعادة النظر في قواعد اللعبة نفسها، وإعادة بناء منظومة انتخابية تحمي حق المواطن في الاختيار الحر، وتضمن أن تكون المشاركة السياسية عملية مؤسسية محترمة تعكس إرادة المجتمع بصدق.