"لابوبو" سفيراً ثقافياً صينياً

كتاب النهار 08-12-2025 | 05:06
"لابوبو" سفيراً ثقافياً صينياً
لن يكون مستغرباً أن نرى خلال السنوات القادمة استبدلاً كبيراً لمنتجات الثقافة الأميركية الرمزية المهيمنة عالمية، في الطعام واللباس وطريقة الحياة، بمنتجات صينية منافسة.
"لابوبو" سفيراً ثقافياً صينياً
يبدو الصعود العالمي لـ"لابوبو'' مشابهاً للتوسع المبكر لشخصيات ديزني الأميركية. (أ ف ب)
Smaller Bigger

يبدو الصعود العالمي لـ"لابوبو'' وانتقاله بسرعة من دوائر فنية متخصصة إلى أسواق عالمية رئيسية، مشابهاً للتوسع المبكر لشخصيات ديزني الأميركية قبل قرن من الزمان. تُظهر كلتا الظاهرتين كيف ضمن تحليل علاقة القوة بين الصين والولايات المتحدة يشيع القول دائماً إن صعود الصيني من الناحية المادية، تقنياً وصناعياً، مازال لا يؤهله لقيادة النظام الدولي، لأسبابٍ عدة منها ضعف الهيمنة الرمزية الصينية، في مقابل هيمنةٍ ثقافية ورمزية أميركية راسخة منذ عقودٍ. لكن التراكم المادي الصيني سيخلق بالضرورة نموذجه الرمزي، من خلال ترابط المصالح بين القوى الصناعية والابتكارية من جهة، وقوة التسويق والتأثير من جهة أخرى.

قبل سنواتٍ قليلةٍ ابتكر الرسام كاسينغ لونغ شخصية "لابوبو"، وقد ظهرت لأول مرة في سلسلة "الوحوش" قبل أن توسع شركة بوب مارت الصينية العملاقة نطاق انتشار الشخصية عبر البيع بالتجزئة. وقد حوّلت استراتيجية بوب مارت، المتمثلة في إنتاج عدد محدود من النسخ، وتدفق مستمر من الإصدارات الجديدة، وسرد عاطفي مؤثر، لابوبو من مجرد لعبة إلى منتج طموح قابل للربح. لكن الأمر لم يتوقف عند ذلك، بل أصبح نوعاً من الهوس بالشخصية في صفوف الأطفال والمراهقين وحتى الشباب البالغين، لاسيما منهم الفتيات.

يمكن لأيقونة بصرية لا تُنسى أن تتجاوز موطنها الأصلي وتكتسب تأثيراً ثقافياً عابراً للحدود. ومع ذلك، تكشف العمليات الكامنة وراء هذه الظاهرة عن نموذجين مختلفين جوهرياً لكيفية انتشار الملكية الفكرية القائمة على الشخصية، وترسخها، وتحقيقها للدخل في سياقات تاريخية مختلفة.

اعتمد نموذج ديزني المبكر على سرد القصص. ظهرت شخصيات مثل "ميكي ماوس" من أفلام الرسوم المتحركة القصيرة التي عُرضت في دور السينما، جاعلةً السرد أساساً لتكوين ارتباط عاطفي بين الجمهور. فقد اعتمدت ديزني على التوزيع السينمائي، وتوسع هوليوود، ولاحقاً التلفزيون لنشر شخصياتها عالمياً. في المقابل يسير مسار "لابوبو" بشكل معاكس تقريباً. لم تنشأ الشخصية من عالم قصصي، بل من عالم الألعاب، بحيث يُحدد المظهر والملمس والندرة وسيكولوجية الجمهور القيمة. فكانت المنصات الاجتماعية، بدلًا من أفلام السينما أو شبكات التلفزيون، بمثابة قنوات التوزيع الرئيسية، مما مكّن لابوبو من تحقيق مستويات من الظهور والجاذبية في وقت قصير جداً مقارنة بما احتاجته ديزني.

كما يُمثل تفاعل المعجبين فارقاً آخر. فقد شكّلت سرديات الأستوديو وهوية علامته التجارية المُدارة بعناية المعنى الثقافي لديزني في بداياتها بشكل شبه كامل. في المقابل، تتسم هوية "لابوبو" بتبني المجتمعات الإلكترونية سرديات مصغرة وميمات ومعاني اجتماعية حول الشخصية، مما يمنحها بصمة ثقافية لامركزية تتطور بشكل أسرع وأقل قابلية للتنبؤ من أي ملكية فكرية يسيطر عليها الأستوديو. فهذه الاختلافات تظهر في ظل ظروف تنظيمية وجيوسياسية متباينة. فقد كان صعود ديزني في بيئة إعلامية منفتحة نسبياً مع تدخل ضئيل في ممارسات التسويق والترويج. بينما تعمل "لابوبو" ضمن بيئة أكثر تعقيداً، من متطلبات قوية لإنفاذ حقوق الملكية الفكرية، وقيود على سلوك المضاربة في أسواق المستهلكين، وتدقيق مشدد عند تقاطع المقتنيات المادية مع الأصول الرقمية المالية.

وعند النظر إلى هذه التناقضات مجتمعةً، نكتشف أن "لابوبو"، وإن كان يُحاكي بدايات التأثير الثقافي الأميركي بتحويل شخصية إلى رمز معروف عالمياً، إلا أنه يفعل ذلك من خلال نموذجٍ صاغته بشكل أساسي ديناميكيات القرن الحادي والعشرين، مثل الانتشار اللامركزي، والاقتصادات الرقمية المادية الهجينة، والقوة الناعمة الموجهة نحو المستهلك. تُمثل ديزني حقبةً انبثق فيها التأثير الثقافي من سيطرة السرد وإمبراطوريات الإعلام. أما "لابوبو"، فتُمثل حقبةً جديدةً يُمكن فيها للجماليات والمنصات والمجتمعات - وليس القصص وحدها - أن تصوغ مضامين الثقافة العالمية. لذلك لن يكون مستغرباً أن نرى خلال السنوات القادمة استبدلاً كبيراً لمنتجات الثقافة الأميركية الرمزية المهيمنة عالمية، في الطعام واللباس وطريقة الحياة، بمنتجات صينية منافسة.