برسم قائد الجيش اللبناني!

كتاب النهار 06-12-2025 | 06:32
برسم قائد الجيش اللبناني!

من دفع ثمن هذا التراجع العملي عن قرار مجلس الوزراء؟ إنه الجيش اللبناني الذي وجد نفسه يغطي عجز السلطة ويحميها. وهكذا بدل أن يكون هو المحميّ بقرارات السلطة أصبح هو من يحميها من تداعيات قراراتها.

برسم قائد الجيش اللبناني!
دورية للجيش اللبناني واليونيفيل في مرجعيون جنوبي لبنان. (أ ف ب)
Smaller Bigger

يتعرض الجيش اللبناني لضغوط غير مسبوقة، من شأن تراكم تداعياتها أن يضر به وبقدراته وفاعليته.

الجميع مسؤول عن هذا الواقع الذي وصلت إليه حال الجيش اللبناني، بدءاً برئيسي الجمهورية والحكومة جوزف عون ونواف سلام، مروراً بإسرائيل التي تطلب منه أن يكون عاملاً تنفيذياً لقراراتها ضد "حزب الله"، وصولاً إلى الجمهورية الإسلامية في إيران التي يريد متطرفوها أن يضعوا في رصيدهم إنجازات على حساب الدولة اللبنانية وأهم مؤسساتها!

وتمثل رأس جبل الجليد في إلغاء المسؤولين الدفاعيين الأميركيين مواعيد مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل في واشطن، حيث كان يفترض أن يناقش ما يحتاج إليه الجيش من مساعدات مرصودة اعتماداتها في الهبة الأميركية الأخيرة التي منحتها الإدارة الأميركية للمؤسسة العسكرية.

ولم يأتِ إلغاء هذه المواعيد من فراغ، بل جاء بمثابة ترجمة لنجاح منتقدي أداء المؤسسة العسكرية في واشنطن، ممّن يعتبرون أنّ الرهان على الجيش اللبناني خاطئ ويجب الإقلاع عنه، واعتماد خيارات أخرى من بينها السماح للجيش الإسرائيلي بالقيام بتنفيذ ما وضعه من مخططات للقضاء كليّاً على سلاح "حزب الله".

إسرائيل تتهم الجيش اللبناني بأنّه يعاني من اختراق " حزب الله" لصفوفه وتعتبر أنه عاجز عن نزع سلاح الحزب. وهي كانت قبل انطلاق المفاوضات السياسية ضمن لجنة الميكانيزم، تضغط للحصول على ضوء أخضر أميركي يتيح لها أن تضرب بقوتها الذاتية ما تبقى من أسلحة بعهدة الحزب، لكن قبول لبنان ترئيس وفد لبنان للديبلوماسي والسياسي سيمون كرم، أرجأ البت بهذا الملف، وإن أبقى على قاعدة المفاوضات تحت النار.

ولم يكن ينقص الجيش اللبناني سوى أن يتبنّى موقع مرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي معلومات تفيد بأنّ ثلاثين بالمائة من عديد الجيش اللبناني ينتمون إلى "حزب الله" ويخدمون فيه بالتناوب!

وحيال الضرر الذي تلحقه هذه الإحصائية الإيرانية، اضطرت قيادة الجيش إلى إصدار نفي وتأكيد أنّ جميع العسكريين ينتمون حصراً إلى المؤسسة العسكرية.

ولكن مشكلة الجيش لم تبدأ لا في إسرائيل ولا في إيران، بل في لبنان وتحديداً بسبب الرئيسين جوزف عون ونواف سلام. لم يفعل رئيسا الجمهورية والحكومة ما فعلاه عن سوء نية، بل عن سوء تقدير، بحيث اعتبرا أنّ المؤسسة العسكرية بما تملكه من رصيد داخلي وإقليمي ودولي قادرة على انقاذهما من التزامات قطعاها وتبيّن أنهما ليسا على قدر تحدياتها.

وهذا يعيدنا إلى الخامس من آب/ أغسطس الماضي، عندما التأم مجلس الوزراء اللبناني واتخذ قراراً يقضي بحصر السلاح بيد الدولة في مهلة أقصاها نهاية هذا العام، وكلف قيادة الجيش بوضع خطة عملانية لتنفيذ هذا القرار. يومها، جرى فصل هذا القرار عن الخطة الأميركية الخاصة بوقف العمليات العدائية، وتمّ ربطها حصراً بوجوب أن تطبق الدولة البنود السيادية التي تفترض حصر السلاح بيدها. وانتفض "حزب الله" مدعوماً من "حركة أمل" ضد هذا القرار واعتبره غير موجود ووصفه بالخطيئة وهدد بالتصدي له بالقوة.

وقرر الرئيسان عون وسلام التراجع عن هذا القرار عملياً. تمّ الاحتفاظ بالنص، ولكن كان لا بد من إسقاط المهلة المنصوص عليها، فتمت الاستعانة بالجيش الذي وضع خطة لا تقيم وزناً لمهلة نهاية العام، وبدأت مواقف المسؤولين بالتدحرج حتى وصل الأمر بسلام، قبل أيام قليلة، إلى تبني الموقف الذي طالما ترافع ضده، إذ قال إنّ حصر السلاح بيد الدولة لن تكون له مهل، قبل انتهاء المرحلة الأولى من خطة الجيش، وهي لن تكتمل قبل انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي التي تحتلها في جنوب لبنان.

من دفع ثمن هذا التراجع العملي عن قرار مجلس الوزراء؟

إنه الجيش اللبناني الذي وجد نفسه يغطي عجز السلطة ويحميها. وهكذا بدل أن يكون هو المحميّ بقرارات السلطة أصبح هو من يحميها من تداعيات قراراتها.

هذا الخطأ الاستراتيجي الذي ترك تداعياته على المؤسسة العسكرية وأكل من رصيدها، يفترض أن يكون درساً لقائد الجيش حتى يستخلص منه العبرة ويمنع تكراره ويضع خطة تقي مؤسسته من تداعياته السلبية!