نتنياهو... تحديث الحروب المستخدمة

كتاب النهار 06-12-2025 | 06:16
نتنياهو... تحديث الحروب المستخدمة
على إسرائيل أن تتصالح مع العيش من دون أساطير ودون حلم الإمبراطورية، وأنها ليست "إسبارطة" كما حاول أن يقنعها نتنياهو في بحثه عن حلول لشرعنة حربه الأبدية. ذلك توصيف خارج السياق تماماً، حين تصبح غزة، من دون قصد، إسبارطة، ويصبح الشام الكبير بثقافاته وتاريخه أثينا.
نتنياهو... تحديث الحروب المستخدمة
شاب يلهو على أنقاض مبنى مدمر بينما يظهر القمر البارد، وهو آخر قمر عملاق في العام، فوق مخيم النصيرات وسط قطاع غزة في 4 ديسمبر 2025. (أ ف ب)
Smaller Bigger

وافق الكنيست الإسرائيلي على خطة ترامب لوقف الحرب في غزة. وبتعبير أكثر دقة، وافقت المعارضة في إسرائيل على خطة العشرين بنداً، التي طرحها الرئيس الأميركي، وجمع حولها المنطقة والعالم، وحوّلها إلى قرار في مجلس الأمن. لم يحضر نواب الائتلاف الحاكم الجلسة، ولم يصل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى القاعة. طرح اقتراح يائير لابيد ممثل المعارضة على المعارضة ووافقت المعارضة.

يصبح الأمر في إسرائيل شكلياً ومبتذلاً إلى أبعد الحدود، وتتفاقم الفوضى التي تتدفق على بنية الدولة من كل الاتجاهات، حيث طلب العفو من رئيس الدولة دون الإقرار بالذنب، مرور اقتراح حكم الإعدام الخاص بالفلسطينيين بالقراءة الأولى، واحتفال الوزير بن غفير بذلك، وتجواله بين مقاعد الكنيست وهو يحمل صينية "بقلاوة" ويوزعها على الحضور، اجتياح الضفة وتجديد الحملة العسكرية في الشمال وتدمير شبكة المخيمات هناك، تصاعد وتائر البناء الاستيطاني وزحف الاستيطان الرعوي القادم مباشرة من العهد القديم، تواصل الغارات والقصف في غزة حيث تتقدم مكعبات "الخط الأصفر" نحو أحواش البيوت ومفارق الطرق وتضغط دون توقف على أضلاع المستطيل الضيق وتدفعه نحو الغرب، ويتواصل القصف شمال وجنوب الليطاني بما فيها اغتيال هيثم الطبطبائي، وتنتشر الدوريات في ريف القنيطرة السورية وصولاً إلى ريف دمشق، حيث يتشكل واقع لا يختلف كثيراً عن واقع الاحتلال في الضفة الغربية.

سيذهب القرار بإخراجه الضعيف ليغرق في مناقشات اللجان، الخارجية والأمن، ثم يبدأ مسيرة طويلة، بلا معنى سوى تمرير الوقت ومراكمة المناكفات بين المعارضة ونتنياهو، بموازاة حرب مفتوحة لا تتوقف، جنوبي سوريا ولبنان وغزة والضفة الغربية.

يلتفت ترامب بين وقت وآخر التفاتة سريعة نحو خطته المتعثرة في غزة، ويرسل تغريدات حمّالة أوجه، وتواريخ جديدة لبدء تنفيذ المرحلة الثانية، قبل أن يعود ليدفع قطعاً بحرية جديدة نحو الكاريبي، وقاذفات استراتيجية إلى القارة المجاورة، ويطلق منتخبه الخاص للمفاوضات نحو موسكو حيث يسعى ويتكوف على الأرضيات الخشبية اللامعة في ممرات الكرملين.

في الأثناء، يبحث بنيامين نتنياهو عن صورة النصر، التي تراكمت فوقها الأسئلة، وتدفقت تراجيديات غير محسوبة، كصورة قادرة على محو صورة يحيى السنوار غير المقصودة، وهو يهشّ المسيّرة بعصاه. الحقيقة يصعب الجزم إذا كان السنوار قد فكّر في تلك الخاتمة أو قصد تلك النهاية التراجيدية التي صبغت الحرب؛ مقاتل جريح ينزف على أريكة مغبرة في منزل مهدّم ليس بعيداً عن كومة الحطام التي كانت بيته، ولكنه مشهد ختاميّ يشبه حياة الرجل، ويغلق حلقات مسيرته الثلاث، ورحلته عبر المنفى والسجن والحرب. حتى بعد عشرات ألوف الجثث المتروكة على أرض الإقليم وتضاريسه، وبعد أن زرع سلاح الجو المنطقة بالخرائب، وحوّلها إلى ما يشبه بيئة مثالية لتحقيق أحلام اليمين الإسرائيلي ونبوءاته، وبعد تفكيك حواضر المركز، بيروت وبغداد ودمشق، لم تتمكن إسرائيل من أن تكون دولة طبيعية، بل تفاقمت عزلتها عن الإقليم، وخسرت الكثير من شرعياتها، وطويت عقود طويلة من صناعة السرديّة التي برّرت وجودها.

لم تخسر إسرائيل الحرب، ولكنها خسرت كل شيء بنيت عليه. وعليها أن تتصالح مع واقع اليوم التالي الذي يحاول نتنياهو تأجيله ودفعه نحو حروب أخرى لم يخضها بعد، أو تحديث الحروب القائمة التي بهتت شرعياتها بسبب التقادم وشدّة الاستعمال. وعليها أن تتصالح مع العيش من دون أساطير، ودون حلم الإمبراطورية، وأنها ليست "إسبارطة" كما حاول أن يقنعها نتنياهو في بحثه عن حلول لشرعنة حربه الأبدية. ذلك توصيف خارج السياق تماماً، حين تصبح غزة، من دون قصد، إسبارطة ويصبح الشام الكبير بثقافاته وتاريخه أثينا.