.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
يقفز من جديد في العراق مصطلح "الدولة العادلة" في توقيت حساس داخلياً بتزامنه مع إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية لعام 2025، والتأسيس لطاولات المفاوضات بين الأحزاب بكل مكوناتها للتوصل إلى اتفاق لا يضمن تشكيل الرئاسات الثلاث وحسب، بل يحدد سقف الاستحقاقات السياسية والمكوناتية، وكذلك التزامن مع التحولات الملموسة في منطقة الشرق الأوسط وتغيير موازين القوى فيها، وتراجع نفوذ إيران في سوريا ولبنان وانعكاس ذلك على العراق. ويترافق صعود المصطلح مع تشدد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتصحيح الأوضاع، وهذا ما عبّر عنه المبعوث الخاص بحديثه عن "تغييرات كبيرة مقبلة في العراق ".
لم يكن حديث الزعيم السنّي خميس الخنجر رئيس "تحالف السيادة" عن "الدولة العادلة" بعد أيام من إعلان النتائج للدورة البرلمانية السادسة، مجرد خطاب سياسي أو حديث عابر، بقدر ما يؤشر إلى وجود أزمة تمس جوهر النظام السياسي الديموقراطي الذي كان من المفترض أن يؤسس، بعد قرابة عقدين، لدولة المؤسسات التي تسودها العدالة. لذا، فإن ربطه الاستقرار السياسي والأمني والمجتمعي بتساوي جميع المواطنين أمام القانون وبالحقوق والواجبات، يعيد مرة أخرى جدل الإقصاء والتهميش والتمييز الذي يتعرض له المكون السني في العراق رغم أن ممثليه منخرطون في النظام وسلطاته، إلا أن العودة إلى طرح هذا المصطلح، تؤشر إلى رغبة الفاعلين السنّة في الانتقال من المشاركة الديكورية إلى الشراكة في القرار السيادي وبالثقل ذاته الذي يتمتع به الفاعل السياسي الشيعي الذي يمثله الإطار التنسيقي، وفق قاعدة "أن الدولة التي تتوازن فيها المكونات هي الدولة القادرة على القيام بدورها الإقليمي". ويتم ذلك من خلال شراكة متوازنة على أساس المواطنة لا على غلبة الهويات الفرعية، خصوصاً أن ملفات مثل إعادة إعمار المحافظات المتضررة من الحرب مع تنظيم "داعش"، والتوازن في المناصب والتمثيل في الدولة وعودة النازحين إلى مناطقهم وكشف مصير المغيبين من أبناء المكوّن السنّي، وإطلاق السجناء الأبرياء وتوفير المناخات لمشاركة أوسع في الحياة العامة، لم يتم حسمها رغم وجود الأحزاب السنّية داخل "ائتلاف إدارة الدولة" الذي هيمن على الحكومة والبرلمان لأربع سنوات مضت.
أمام هذا الواقع، حسم ممثلو المكوّن السنّي قرارهم بضرورة توحيد المواقف إزاء هيمنة الإطار الشيعي الذي أخذ يستعد لجولة مكاسب جديدة على حساب القوى الأخرى، لذا فإن انبثاق "المجلس السياسي الوطني" يعد خطوة لخلق الندية السياسية مع الإطار التنسيقي، وحركة استباقية لمنع العمل على تشتيت المواقف والظهور على أنه أكثر صلابة قياساً بأداء القوى السنية في الدورات البرلمانية الخمس والحكومات الست السابقة، وكجزء من عملية الإدراك أن المرحلة المقبلة لن تنتظر كثيراً في ما يتعلق بالاستحقاقات السياسية على مستوى الرئاسات الثلاث، والاستعداد لوضع ورقة مطالب موحدة لـ"حقوق المكون السني" من أجل التفاوض مع القوى السياسية الشيعية والكردية، خصوصاً أن المؤشرات تذهب مرة أخرى لإعادة إنتاج التحالفات التوافقية، مما يتيح لهم، إذا ما نجحوا بالتماسك وتحويل المجلس إلى النظام المؤسساتي، أن يظهروا كقوة أكبر تأثيراً في المعادلة المقبلة.