الخروج من الدائرة المفرغة في السودان يستدعي إعادة تأسيس العقد الاجتماعي على أسس المواطنة (أ ف ب)
تضيع الأوطان، عندما ينطفئ سراج العقل، وتغلق الأبواب أمام نبض الجماهير، فتشتعل نار الجنون وتخرج الأشباح من شقوق الخرائط، ساعتها لا الاستغاثات تُلبى، ولا الدموع تنفع، ولا المراثي تجدي، وهذا ما حدث في السودان منذ الاستقلال حتى اليوم. صحيح أن الأصابع الخارجية كان لها دور في وصول البلاد إلى المشهد الراهن، لكن الدور الأكبر يرجع إلى عوامل داخلية أبعد أثراً وأشد خطراً.في كتابه "الرؤية السودانية: إنتاج الفشل... لماذا نحن هنا؟" يحاول الكاتب السوداني عمرو عباس تشريح الأزمة الهيكلية في بلاده، باحثاً عن البنى الداخلية المسؤولة عن "إنتاج الفشل" المزمن وتكريسه، وهو يرى أن هذا الفشل ليس نتاجاً لعوامل خارجية فحسب، بل محصلة لنظام متكامل من الممارسات والعلاقات والهياكل الاجتماعية - السياسية - الاقتصادية التي تعيد إنتاج التخلف والصراعات، وفي مقدم تلك البنى "هشاشة الدولة". يوضح عباس أن طبيعة الدولة السودانية ما بعد الاستقلال لم تتطور إلى دولة مواطنة مؤسسية، بل بقيت دولة "زمرة" تسيطر على موارد البلاد وتقصي الآخرين، ما أدى إلى صراع مرير على السلطة والثروة، ليس كمسألة سياسية فحسب، بل كمسألة وجودية للجماعات المتنافسة، وقاد إلى غياب التوافق على الهوية الوطنية ...