.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
سيستمر شبح جيفري إبستين المدان بجرائم جنسية في مطاردة الرئيس دونالد ترامب عبر حملة لديموقراطيين في الكونغرس تزعم تورّطه في علاقاته الاجتماعية مع رجل كان يتاجر بالفتيات القاصرات، تهمة ينفيها البيت الأبيض ويتهمه الديموقراطيين بترويجها رواية "زائفة".
جزء من جمهور "ماغا" الموالي لدونالد ترامب ليس مقتنعاً ببراءته، وهو يطالب بشفافية أكثر للعلاقة بين ترامب وإبستين كما للوثائق المتعلقة بانتحار إبستين في السجن. ما علاقة هذا بالسياسات الخارجية لدونالد ترامب؟ ببساطة، الجواب هو أن الفضائح الداخلية تسلب الرئيس الأميركي القدرة على التركيز على طموحات السياسات الخارجية، تلك المعنية بالشرق الأوسط أو بأوكرانيا أو بفنزويلا أو السودان. لذلك، يتخبط فريق ترامب في كل هذه الملفات لأن عقيدة الرئيس الأميركي تقوم على مصادرة استقلالية التفكير والقرار من أي مسؤول في إدارته. جميعهم يتحدثون لغة واحدة عندما يتحدث عن ملفاته، فيكرر دوماً أن هذه سياسة دونالد ترامب ورؤيته بلغةٍ هدفها وضع الرئيس وحده ولي أمر البلاد، ووحده صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في عملية تأليه غريبة لا تشبه الولايات المتحدة الأميركية.
دونالد ترامب رجل يُحسِن الإنتاج والإخراج للمناسبات وللسياسات، يستخدم نرجسيته عمداً أداة لتسويق نفسه ورئاسته بعدوانية ووسيلة للإملاء. رجل أثبت قدرته على التملّص من الفضائح، والتصدّي لأعدائه عبر المحاكم والمطالبة بالتعويضات. نفض عن كتفيه تاريخه الذي عليه علامات استفهام. صارح العالم بأنه رجل الصفقات والأموال وأن المصالح تأتي عنده دائماً فوق القيم، كما عند صهره جاريد كوشنر الذي عبّر صراحة عن ذلك وعلناً.
إنما للفضائح الداخلية تأثير على مزاج دونالد ترامب، ولاسيّما منها تلك المرتبطة بجيفري إبستين لأنها تجمع ما بين ديموقراطيين وجمهوريين "ترامبويين" من حركة "ماغا". فالآن، وقد انتهت معركة الإغلاق الحكومي، فإن الساحة باتت مفتوحة لمزيد من التهم وتعرية الفضائح بين الديموقراطيين والجمهوريين. ترامب يولي هذه المسائل انتباهه الشخصي، تقليدياً، مما سيؤثر على مقياس تنبهه الى القضايا الدولية.
لن تتأثر حرب أوكرانيا كثيراً ومباشرة بالتحوّل في دائرة تنبه ترامب لأن لا مؤشرات تقدّم في الأفق لإنهاء هذه الحرب، ولا فرصة هناك اليوم لعقد لقاء بين الرئيس الأميركي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين.
السودان سيبقى في درجة ثانية من الأولويات مهما انصبّ عليه اليوم اهتمام وزير الخارجية ماركو روبيو. فهو ملف والد زوج إبنة ترامب، مسعد بولس، وقد صعد قليلاً في درجات التنبه العالمي نتيجة ضخامة الانتهاكات، لكنه ملف لن يستحوذ على تنبه دونالد ترامب شخصياً. وإن استحوذ، فذلك لفترة محدودة وقصيرة.
فنزويلا بالطبع لها مكانة عالية في أولويات دونالد ترامب لأن الرئيس الأميركي يريد ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، من الفوائد النفطية المترتبة على سيطرة أميركية على فنزويلا، إلى استبعاد النفوذ الروسي من قارة أميركا الجنوبية، إلى تلقين أمثال الرئيس نيكولاس مادورو درساً في عواقب الاستعصاء على الرئيس الأميركي، إلى قطع الطريق على الاتجار بالمخدرات والعصابات وراء هذه التجارة من عصابات إلى ميليشيات إلى دول. وفي هذا الإطار، تستهدف إدارة ترامب "حزب الله" وإيران.
العمليات العسكرية الأميركية على فنزويلا جاهزة، لكن القرار العسكري والسياسي يبدو مؤجلاً قليلاً لإعطاء الفرصة لمادورو ليتخذ قرار التوجه إما إلى كولومبيا وأما إلى تشيلي إنقاذاً له من عمليات عسكرية عليه وعلى بلاده. فإذا لم يوافق ولم يتم التوصّل إلى صيغة ملائمة للرئيس ترامب، فإن الأدوات العسكرية في حال تأهب.
الشرق الأوسط سيعاني من ملل دونالد ترامب من التفاصيل التعجيزية، كما من تحوّل تنبه ترامب إلى المسائل والتحديات الداخلية. ملامح بطء عملية غزة واضحة، وإمكان تعثر خطة ترامب لغزة وارد. ليس واضحاً إن كان ذلك سيؤدّي إلى الخطة باء بالذات تلك المعنية بتسليم سلاح "حماس" فرضاً وبالقوة إزاء تهرّبها من تسليم السلاح طوعاً. فعندما يفقد دونالد ترامب صبره، يصبح كل شيء ممكناً، بالذات في ساعة غضب.
في الوقت ذاته، ولأن التعجيز إسرائيلي بقدر ما هو فلسطيني، فإن الرئيس الأميركي جاهز للضغط على إسرائيل، إنما قليلاً، وبمكافآت غزيرة. إحدى المكافآت ذات شقين. ترامب طلب من الرئيس الإسرائيلي إسقاط التحقيقات الجنائية عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووعد في المقابل بزيادة المساعدات العسكرية لإسرائيل، كمّاً ونوعاً. ما تحصل عليه إسرائيل هو مكافآت الترغيب المسبقة، عكس معادلة الترغيب والترهيب مع "حماس".
ولمن يخطئ ويعتقد أن أيّ إدارة أميركية، أو أي رئيس أميركي، قد يتخلى عن العلاقة النوعية التحالفية المميزة بين أميركا وإسرائيل، فإنه لا يعرف أميركا. يخطئ أي من يعتقد أن التوتر في العلاقات بين البلدين وبين ترامب ونتنياهو، والتدهور في سمعة إسرائيل أميركياً وعالمياً بسبب بطشها بالمدنيين ومحو غزة، سيؤديان إلى تخلّي الولايات المتحدة عن العلاقة التحالفية النوعية مع إسرائيل.
لذلك، إن إسرائيل لا تقلق. إذا أصاب خطة ترامب لغزة القليل أو الكثير من الجمود، فإن الخاسر فلسطيني أكثر مما هو إسرائيلي. وقد يقرر ترامب أن يبقي الضوء الأصفر مضاءً تأهباً للضوء الأخضر لعمليات عسكرية إسرائيلية نوعية ضد "حماس" في غزة.
إدارة ترامب قد تغض النظر عن إجراءات إسرائيل الخطيرة في الضفة الغربية ليس لأن ترامب يتراجع عن حظر إسرائيل من ضم الضفة الغربية، وإنما لأنه سينشغل بمشاكله الداخلية، ويسأم. المشكلة تتفاقم لأن اتكالية اللاعبين في الشرق الأوسط، ولاسيّما منهم القيادات العربية، على شخص دونالد ترامب، سترهقه. وهو يكره الإرهاق.
لبنان بالذات مرشّح للوقوع في زوبعة اللامبالاة المعطوفة على فقدان الصبر المعطوف على الملل من الأساليب اللبنانية. الضوء الأصفر مضاء لعمليات عسكرية إسرائيلية واسعة النطاق، وهو على وشك التحوّل إلى ضوء أخضر أميركي إذا استمر "حزب الله" بالصعود إلى أعلى الشجرة بصراخه ومكابرته وتقويضه السيادة والدولة، كما إذا استمرت الرئاسة اللبنانية بأساليب الإرضاء والحوار والتذاكي على تنفيذ قرارات حصر السلاح بيد الدولة.
"حزب الله" أوضح بصوت عالٍ أنه لن يسلّم سلاحه. فأين خطة باء للدولة، قيادة الجيش توعدت بتجميد عملية حصر السلاح، إذا استمرت الاعتداءات الإسرائيلية، هذا ليس أقل من استدعاءٍ أكثر عجلة لتحوّل الضوء الأصفر إلى أخضر لاحتلال إسرائيلي أوسع ولحرب إسرائيلية على البنية التحتية اللبنانية. خطورة التهرب من تنفيذ خطة ألف من دون خطة باء، واضحة. لكن الدولة وأجهزتها تدفن رؤوسها في الرمال.
أخطر ما في الوضع القائم الآن هو أن الدولة شريك صامت في توافق إسرائيل و"حزب الله"- ووراءه إيران- على أن الوضع الأفضل للطرفين هو إبقاء لبنان في حالة اللاحرب واللاسلم. هذا يلائم "حزب الله" وإيران وإسرائيل لأنه يقوّض السيادة ومفهوم الدولة في لبنان. ملائم، لأنه يضع اللبنانيين في حالةٍ نفسية مؤرقة وتوتّر دائم ورغبة بالحرب للحسم بدلاً من انتظار السلام البطيء المزعوم عبر الحوار.
لا مزاج لدى دونالد ترامب للاعتناء بالحالة النفسية للبنانيين، شعباً وحكومة وجيشاً. فلا وقت لديه لمعالجة حالتهم ولا للإمساك بأياديهم. مشاكله تكفيه. وقد سئم. لذلك، من المفيد للدولة أن تتنبه إلى عواقب ترددها ومحاولات قفزها على السيادة، وعلى المطلوب منها من أجل خلاص لبنان من حربٍ مدمّرة واحتلال إسرائيلي إضافي. كفى استغباء.
مثل هذا الاستغباء يضع لبنان مشروعاً بين إسرائيل من جهة وسوريا من جهة، إذا كان تصوّر المبعوث الأميركي لسوريا، السفير الأميركي لدى تركيا، توم برّاك، سياسةً وليس تحليلاً أو تصريحاً عابراً. فهو تحدّث عن "سوريا الكبرى"، وكلامه إنذار للبنان الرسمي بأن يستيقظ ويعي ويتصرف بمستوى المسؤولية المصيرية.
سوريا تشعر بالثقة العارمة، قيادتها صبورة وبراغماتية باستراتيجية كما بخطوات تكتيكية هدفها أن تبقى ذات أولوية لدى الإدارة الأميركية.
الرئيس الأميركي أوكل الملف إلى توم برّاك، أخذ بجانبه حليفه التركي، تشاور مع حلفائه الخليجيين العرب، وضمن لإسرائيل طموحاتها الأمنية لأن حماية إسرائيل من نظام عدائي لها في سوريا أولوية استراتيجية أميركياً، للرئيس ولما تسمى الدولة العميقة أي المؤسسة الحاكمة Establishm.
تعليق عقوبات "قيصر" على سوريا أتى بقرار من السلطة التنفيذية، أي قرار ترامب، وليس من السلطة التشريعية أي الكونغرس الذي أصدر القانون. هذا تطوّر ممتاز لسوريا، إنما خلاصته هو أن الدولة والرئيس الشرع وحكومته تحت المراقبة للتحقق من الأداء. والأداء المطلوب هو حيال مطالب عدة: إسرائيل، مكافحة "داعش"، معاملة الأقليات، إبقاء إيران خارج البوتقة السورية، وعدم فسح المجال لعودة روسية إلى سوريا بأي مضمون يُذكر. وكذلك، تطبيع الحدود مع لبنان، إذا أحسن لبنان الأداء.
سوريا تبقى حلقة مهمّة في إطار مشروع الاتفاقات الإبراهيمية التي تدعو إلى تطبيع العلاقات العربية مع إسرائيل. الخطوة المقبلة هي في التطبيع الأمني والحدودي بين سوريا وإسرائيل. وبحسب توم برّاك، فإن خطوة التطبيع في إطار الاتفاقات الإبراهيمية آتية.
زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن كانت ناجحة بالقدر الذي سمحت به الظروف والذي ارتأته الإدارة الأميركية. فالعلاقة الثنائية وُضِعت على سكة سالكة. توم برّاك قالها صراحة، "لا توجد خطة باء لسوريا". أي أن إدارة ترامب تستثمر بالرئيس السوري، لا غير، وهي تريد سيطرة سياسية، وليس عسكرية، في سوريا. تريد هدوءاً نسبياً بعيداً من حروب أهلية. تريد الاستقرار في سوريا، لأن ذلك في المصلحة الأميركية وكذلك الإسرائيلية، والى حدٍ ما التركية لأن تركيا شريك لإدارة ترامب وهي جاهزة لغض النظر عن امتلاك تركيا لأراضٍ سورية في هذه المرحلة.
المهم لإدارة ترامب أن تبقى سوريا خالية من النفوذ الإيراني خصوصاً أن إيران اليوم مطوّقة بمشاكلها الداخلية، من جفاف المياه الى وجع العقوبات الى ذعرها من عمليات عسكرية أميركية وإسرائيلية آتية إذا استمرت ببرامجها النووية. ولذلك طهران تحاول تأجيج أذرعها كي يكون لها محل في الإعراب.
الرئيس ترامب يستعد هذا الأسبوع لاستقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في زيارة مهمّة للبلدين لها جوانب اتفاقات أمنية، وتفاهمات إقليمية، ومشاريع استثمارية ونووية سلمية وتكنولوجية بما في ذلك مجال الذكاء الاصطناعي. هذا ثنائياً. أما عالمياً، فهناك مشاريع شراكات أميركية- سعودية بهدف حل النزاعات وبناء الكتل.
الديبلوماسية السعودية أوضحت تكراراً أن أي محاولة لجرها إلى القفز على مبدأ الدولتين كحل للنزاع الفلسطيني- الإسرائيلي لن تكون ناجحة. أوضحت أنها على استعداد للالتحاق بالاتفاقات الإبراهيمية، برفقتها مجموعة دول عربية وإسلامية، إذا نجحت إدارة ترامب في ضمان قبول إسرائيل بدولة فلسطينية.
لا إسرائيل جاهزة لهذه النقلة، ولا ترامب جاهز للضغط جديّاً على إسرائيل في هذه المرحلة. لذلك، ليس متوقعاً أي اختراق في هذه المسألة أثناء زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن. إنما من المستبعد أيضاً أن تستسلم إسرائيل إلى نقلة نوعية في العلاقة الثنائية الأميركية- السعودية، تضع المملكة في مرتبة التنافس معها في إطار العلاقة الثنائية مع الولايات المتحدة الأميركية.
إسرائيل واللوبي الموالي لها في واشنطن جاهزان لعدم وضع العصا في دولاب العلاقات الأميركية-السعودية الثنائية، إنما في ذهنها المكافأة في معادلة الترغيب والترهيب والقراءة الدقيقة لمزاج دونالد ترامب في خضم مشاكله الداخلية.