.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
استطاع العهد الجديد في سوريا أن يرسّخ مكانته، وشرعيته، عربياً وإقليمياً ودولياً، بسرعة، وبطريقة لافتة... بيد أن ما يجب إدراكه من تلك القيادة أن النجاحات الخارجية بحاجة إلى تعضيدها، وتدعيمها، وضمان ديمومتها، إلى نجاحات موازية على الصعيد الداخلي...
استطاع العهد الجديد في سوريا أن يرسّخ بسرعة مكانته، وشرعيته، عربياً وإقليمياً ودولياً، بطريقة لافتة، وخصوصاً مع نسجه علاقة متميزة مع الإدارة الأميركية، كما حصل أخيراً، في الزيارة التي قام بها الرئيس الشرع إلى واشنطن، ولقائه الرئيس ترامب، ونائبه ووزير خارجيته، والذي أثمر عن تجميد العقوبات المفروضة على سوريا، والوعد برفعها نهائياً في وقت قريب، والانضمام إلى اتفاق محاربة "داعش"، مع فتح المجال للاستثمار في سوريا، وهي إنجازات على غاية الأهمية تحسب للقيادة الانتقالية الجديدة.
بيد أن ما يجب إدراكه من تلك القيادة أن النجاحات الخارجية بحاجة إلى تعضيدها، وتدعيمها، وضمان ديمومتها، إلى نجاحات موازية على الصعيد الداخلي، من خلال تعزيز الأمان والاستقرار في البلد، واستعادة السوريين في مختلف المناطق الثقة في ما بينهم، وأيضاً في ما بينهم وبين قيادتهم، وتالياً استنهاض القطاعات الاقتصادية، ورفع مستوى المعيشة، وصولاً إلى إعادة تأهيل البني التحتية وتجديدها، وتأمين الخدمات التعليمية والصحية والبلدية.
لكن، إضافة إلى كل ما تقدم، ثمة تحديات غاية في الأهمية، يفترض بالقيادة السورية إدراكها أيضاً، والاشتغال بشكل حثيث على تجاوزها أو إيجاد حلول لها، يأتي في مقدمها، استعادة الدولة، أو تمكين الدولة، كدولة مؤسسات وقانون، وتالياً تمكين السوريين من المشاركة السياسية، باعتبارهم مواطنين أحراراً، ومتساوين، وتحقيق الاستقلالية، أو الفصل، بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، على أساس دستور حاكم ينظم كل ذلك.
أهمية المبادئ المذكورة أنها من أبجديات إقامة الدولة، والإجماعات المؤسسة للتوافقات الوطنية، إضافة إلى أنها تشكل مدخلاً لحل الواقع المعقد في سوريا، أي واقع الانقسامات، ما قبل الوطنية، أي الطائفية والإثنية والمناطقية والعشائرية، وكطريقة لسد الذرائع المتعلقة بفرض قوى ميليشيوية كأمر واقع، على خلفيات إثنية وطائفية ومناطقية، وأيضاً لتمكين الدولة من فرض سيادتها على كل الأراضي السورية.
وهذا يعني أن وحدة الجغرافيا السورية تتطلب قبلاً وحدة الشعب السوري، وتمكينه من إدراك ذاته كشعب حقاً، إذ إن وحدة الأرض، بالغلبة، أي من دون إيجاد الأسس التي ترسّخ وحدة الشعب، يمكن أن يفتح على مخاطر عديدة مستقبلاً، مع تأكيد تضمين وحدة الشعب والأرض، صيغاً لامركزية في الإدارة، وتوزيع الموارد، مع مركزية الدولة في السياسة والأمن والاقتصاد.
بعد ذلك يأتي التحدي المتعلق بتحديد ماهية النظام السياسي الذي يشكل قطيعة مع نظام الاستبداد والتسلط والفساد وتوضيحه، والذي حرم السوريين من المشاركة السياسية، وجرف الحياة السياسية بمجملها، وهذا لا يتأتى إلا بتعزيز مكانة المواطن، الحقوقية والسياسية، والمساواة بين المواطنين، من دون أي تمييز لأي سبب، إثني أو ديني، أو طائفي، أو مذهبي، أو أيديولوجي، أو جندري. كما يتطلب ذلك تحقيق الفصل بين السلطات الثلاث، نصاً وممارسة، وتحقيق نوع من اللامركزية، لأن ذلك هو شرط قيامة سوريا الجديدة، التي تنبذ أي مظهر من مظاهر إعلاء شأن السلطة على حساب الدولة، والشعب، وتحول دون إعادة انتاج النظام الاستبدادي الشمولي البائد.
وبديهي أن ذلك كله يتطلب تشريع الحياة السياسية، وحرية العمل الحزبي، وإتاحة حرية الرأي والإعلام، لأن كل تلك المتطلبات هي شرط ولادة جمهورية جديدة تتأسس على الليبرالية الديموقراطية، أي على حرية المواطن، وحقه في المشاركة السياسية، عبر الانتخابات.
أيضاً، ثمة التحدي الذي تمثله إسرائيل لسوريا الجديدة، وفي عموم المنطقة، والذي لا يمكن التخفيف منه، أو تجاهله، خصوصاً أن إسرائيل لا تحتل أراضي سورية هي هضبة الجولان منذ حوالى ستة عقود فحسب، وإنما هي تسعى أيضاً إلى التدخل في الشأن السوري، والاستثمار في مشكلاتها الداخلية لصالحها، ما يمكنها من إضعاف الدولة، وتفكيك المجتمع، بما في ذلك محاولتها تعميم خاصيتها كدولة طائفية ـ دينية / يهودية في الهندسة الجديدة لسوريا.
في هذا الإطار بالذات، وبنظرة واقعية لأفول الخيار العسكري في الصراع مع إسرائيل، مع الأخذ بالاعتبار أن حرب تشرين الأول/ أكتوبر (1973) هي آخر الحروب "الدولتية" العربية ـ الإسرائيلية، وبسبب انعدام أدوات الصراع العسكري، في ظل الهيمنة والتفوق الإسرائيليين، المدعوم أميركياً، فإن الوضع المتاح، والمناسب، أمام القيادة السورية الحالية هو النأي بالنفس عن تقديم أي تنازل، والاحتكام لقرارات الشرعية الدولية، مع إحالة هذا الملف للإجماع العربي والإقليمي والدولي، كحاضن للموقف السوري في مواجهة الابتزاز والاستدراج الإسرائيلي، علماً أن هذا التوجه يجد سنده، أيضاً، في زخم الموقف الدولي بشأن بوضع إسرائيل عند حدها، في مقابل تعزيز شرعية حق الفلسطينيين في حقهم بتقرير المصير وإقامة دولة لهم.
ربما ثمة كثير مما يفترض بالقيادة السورية عمله، لكن المسألة لا تتعلق بما يمكن قوله، وهو كثير، بقدر ما تتعلق بالإمكانات، والموارد البشرية، وبما يمكن فعله حقاً في ظل المعطيات العربية والإقليمية والدولية الراهنة، خصوصاً لبلد تعرض لمحو سياسي، ولتصحر في الإمكانات والموارد، وربما حتى في الآمال والأحلام.