هل عرفتَ الآن لماذا أدعو إلى تحييد لبنان؟

كتاب النهار 10-11-2025 | 05:52
هل عرفتَ الآن لماذا أدعو إلى تحييد لبنان؟
مرغمًا يواصل المرء حياة الفساد اليوميّة، التي تجتاح جوهر الوجود، وتغتال الغابة، والشجرة، والوردة، والعشبة، والموسيقى
هل عرفتَ الآن لماذا أدعو إلى تحييد لبنان؟
البابا لاوون الرابع عشر.
Smaller Bigger

في ما يأتي، مقالٌ عن كيفيّة انضمام المرء (أو البلاد) إلى نظام اللّانهاية.
عندما الغابةُ تُكالمكَ، وتُكالمها، أو الشجرة، والوردة، والعشبة، واللوحة، والموسيقى، والأغنية، وعندما تنظر إليكَ، وتحدّق، ولا تشيح بروحها عنكَ، فآنذاك يستولي أحدكما على الآخر بوئامٍ كلّيّ، فتدركُ آنئذٍ أنّكَ شخصٌ معنيٌّ باللّانهاية.

الحالة نفسها تملأ كيانكَ، عندما يكلّمكَ الكتاب، وتُكالمه، والشعر، وعندما ذلك الطفل المولود للتوّ ينظر إليكَ، ولا يشيح، وكوبر عندما يتضرّع بعينيه، ولا يغمض، بل يتوسّل، وتلك المرأة عندما تحضر فتحفر فلا تغادر (وإنْ غادرتْ)، فآنذاك لا تعود معنيًّا بفساد الأرض، إنّما عابرًا إلى نظام اللّانهاية.

ما تعيشه يُملى عليكَ. ما تكتبه يُملى بالطريقة نفسها. ليس ذاك قَدَرًا، ولا هذا نبوّةً. إنّما "مصادفة موضوعيّة"، على طريقة الشعراء السورياليّين. 
أنْ يكون المرء على هذه الكينونة، لشقاءٌ عظيمٌ للغاية، إذ ينبغي له أنْ يتعايش مع وقيعة الحياة، وهو مُستدعى في الآن نفسه، لينضمّ إلى نظام اللّانهاية.

هذا، على مشقّته، يمثّل إقامةً عضويّةً في الطفولة، في الموهبة، والحبّ، والخيال، والحلم، واللّامعرفة، التي هي المعرفة الكليانيّة، بحيث ينتظم المرء في اللغة الشعريّة، في جوهر اللغة، واحتمالاتها اللّامحدودة واللّامحتملة. وهي الخفّة على قول كونديرا، ونظام اللّانهاية على قول مالكولم دو شازال، الذي أغرمتُ بشعره، بعدما عرّفني إليه عبد القادر الجنّابي، فترجمتُ له شذرات من "الحياة المفلترة"  la vie filtree ومن "حسّ تشكيليّ" sens plastique عندما كنتُ في الريعان، وها هو يستفيق من نومه ليدقّ على باب قلبي، ويعلمني بصدور ديوانه "الكلمة" La Parole الذي استيقظ من سباتٍ عظيم، وكان صدر بطبعةٍ محلّيّةٍ محدودة للغاية، العام 1955، لدى service printing في مسقطه بجزيرة موريشيوس.