.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
على مدى نحو عقدين، يكرر رؤساء أميركا الجمهوريون والديموقراطيون أنهم يسعون إلى تقليص انخراط بلادهم في الشرق الأوسط
تنفيذ الخطة الطموحة للرئيس دونالد ترامب في الشرق الأوسط انطلاقاً من غزة ثم فلسطين وإسرائيل، سيحتاج إلى جيش خبراء، بدءاً من مجالات القيادة والسيطرة العسكرية وصولاً إلى المشاركة المجتمعية وإعادة التأهيل.
والتهاني مستحقة لترامب، يقول باحث أميركي كبير يترأس من زمان الـ"واشنطن إنستيتيوت"، الدكتور روبرت ساتلوف. فهو أكد أنه سيعيد "رهائن" إسرائيل إلى بلادهم ويُنهي القتال المروّع في غزة. يبدو أنه يحقّق ذلك فعلاً.
ورغم أن الأفكار التي شكّلت خطة السلام المكوّنة من عشرين نقطة سبقت إعادة انتخابه رئيساً للجمهورية، فإنّ ترامب وفريقه يستحقان إشادة واسعة على ترجمة تلك الأفكار إلى اقتراح عملي، وصياغة مرحلة أولى جاءت كبيرة وقابلة للتنفيذ في آن واحد، وجمع كل العناصر التي جعلت التوصل إلى اتفاق ممكناً. لكن "النجاح له ثمنٌ"، وتذكروا قاعدة متجر "بوتيري بارن" الشهيرة في السياسة الخارجية خلال حرب العراق، وهي: "إذا كسرته فأنت تمتلكه".
اليوم لدينا نسخة ترامب المنطلق من قاعدة مشابهة هي "إذا أصلحته فأنت تمتلكه". ورغم أن دخول ترامب البيت الأبيض كان مقروناً برغبة في "تقليص التزامات أميركا" في الشرق الأوسط، فإنه تبنّى الآن التزاماً ضخماً: خطة سلام ستحمل اسمه إلى الأبد.
ففي 6 تشرين الأول 2023، عشية هجوم "حماس"، كانت العلاقات العربية - الإسرائيلية على أعتاب اختراق تاريخي يتمثل في التطبيع بين السعودية وإسرائيل. بعد عامين أصبحت هذه العلاقات، بما فيها "اتفاقات أبراهام"، معلّقة بخيط رفيع. ومن خلال طرح خطة لا تعد فقط بوقف القتال في غزة بل ببناء سلام إقليمي شامل ودائم، تحمّل الرئيس مهمة إصلاح الضرر الذي خلّفته حرب "حماس" الشرسة. بكلمات أخرى، تحمّل مهمة إصلاح الشرق الأوسط.
كيف تقارب إدارة ترامب هذه المسألة، بل هذه المسؤولية الثقيلة التي ستكون لها انعكاسات كبيرة على دور أميركا في العالم؟ يجيب ساتلوف بالقول إن الصينيين يترقّبون ليروا ما إذا كان سيتمسّك بتحالف واسع عندما تزداد الأمور صعوبة. والروس يراقبون ما إذا كان سينفّذ بنود الصفقة بحزم، أو سيغضّ الطرف عن بعض الجوانب المزعجة. أما الإيرانيون فسيراقبون إن كان ترامب سينغمس في تفاصيل إعادة إعمار غزة إلى حد يمنعه من إعادة تجميع الائتلاف العربي - الإسرائيلي الذي أثبت فاعلية كبيرة في حماية إسرائيل من وابل الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية قبل عام. كل هؤلاء الخصوم وغيرهم سيتساءلون إذا كان التركيز الأميركي المكثّف المطلوب لضمان تنفيذ الصفقة سيُشغل الرئيس عن مواجهة مغامراتهم في ساحات أخرى.
هل من صعوبات أمام الصفقة المشار إليها أعلاه؟ المخاطر الدولية ليست سوى جانب واحد من التحديات. فتنفيذ الصفقة نفسها مليء بالصعوبات، وأبرزها الآتي:
- تنفيذ خطة سلام بالغة التعقيد في غزة. وهي تتطلب نزع سلاح في شكل كامل، وتفترض أن تكون "حماس" شريكة في "انتحارها التنظيمي" أو على الأقل في إقصائها المؤسسي.
- أن يتولى الجيش الأميركي مهمة التنسيق والتجميد والنشر والإدارة لقوات متعددة الجنسية لحفظ الأمن في أثناء انسحاب "قوات الدفاع الإسرائيلية". وهي مناورة محفوفة بالأخطار.
- إنشاء إدارة انتقالية تُشرف على كل شيء: من الإغاثة الإنسانية وإزالة الأنقاض والذخائر غير المنفجرة، إلى مشاريع إعادة الإعمار الضخمة، مع منع فلول "حماس" من سرقة المواد وتحويلها مصانع سلاح تحت الأرض. وهذا أمرٌ أتقنته بعد جولات وقف النار السابقة.
- ضمان موافقة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة على أداء دور أساسي في إيصال الغذاء والخدمات الطبية، من دون الرضوخ للضغوط لإعادة تأهيل وكالة "الأونروا" المليئة بالثُغَر، والتي تتحمل مسؤولية خاصة عن إدارة الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي لعقود.
- منع قطر وتركيا الحليفتين القديمتين لـ"حماس" واللتين برزتا أخيراً وسيطين دوليين، من استغلال موقعهما الجديد لحرف المسار السياسي الفلسطيني في اتجاه يضرّ إسرائيل والسلطة الفلسطينية في رام الله ويقوّض آفاق السلام على المدى البعيد.
- التعامل مع رئيس وزراء إسرائيلي يقوض ائتلافاً يمينياً. من المرجّح أن ينظر إلى كل قرار مهما كان صغيراً من زاوية الانتخابات المصيرية التي قد يدعو إليها قريباً، والتي ستُظهر إذا كان الناخب الإسرائيلي سيعاقبه على الإخفاقات التي جعلت إسرائيل غير مستعدة لهجوم "حماس" عام 2023، أو سيكافئه على الانتصارات اللافتة التي حقّقها الجيش الإسرائيلي في العامين التاليين.
إن الوصول إلى هذه المرحلة، إنجاز كبير في ذاته، وفق الباحث ساتلوف. لكن ضمان التنفيذ الفعّال، وهو ليس نقطة قوة لدى رجل الأفكار الكبيرة مثل ترامب، أصعب بأضعاف. إذ لا يمكن تحقيق ذلك بفريق صغير من مسؤولي البيت الأبيض يتواصلون عبر "سيغنال". فهو يتطلب جيشاً من الخبراء: قادة عسكريون مختصون بالسيطرة والقيادة، خبراء في إزالة الذخائر والتخلص منها، متخصصون في إعادة التأهيل الإعمار المدني، وصولاً إلى خبراء في الاتصال والمشاركة المجتمعية. ولكن يُخطئ من يعتقد أن شركة استشارية أو مسؤولاً أجنبياً سابقاً قادرٌ على ملء الفراغ الذي لا تملأه سوى حكومة أميركية بكامل مؤسساتها. هذه الخطة تحمل اسم ترامب لا اسم "ديلويت" أو "بلير". إلى ذلك، على الرئيس أن يشرح للشعب الأميركي سبب انخراط بلاده في هذا المسار. إذ على مدى نحو عقدين، يكرر رؤساء أميركا الجمهوريون والديموقراطيون أنهم يسعون إلى تقليص انخراط بلادهم في الشرق الأوسط، لكنهم كانوا دائماً يجدون أنفسهم في قلب صراعاته وتشابكاته المعقدة، لذا يستحق الأميركيون تفسيراً واضحاً: لماذا قرّر رئيس شعاره أميركا أولاً أن مصالح بلاده ترتبط بنجاح خطة للسلام في الشرق الأوسط؟