.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
يخشى الإنسان دائماً فقدان مكانته الفريدة في هذا الكوكب. من هذه الخشية تتفرع أشكال كثيرة من المخاوف التي تعيد إنتاج نفسها منذ قرون. واحد منها الخوف من الآلة...
يخشى الإنسان دائماً فقدان مكانته الفريدة في هذا الكوكب. من هذه الخشية تتفرع أشكال كثيرة من المخاوف التي تعيد إنتاج نفسها منذ قرون. واحد منها الخوف من الآلة، والذي يتجلى اليوم في الذكاء الاصطناعي. في وقتٍ نقف على شفا عصر معرفي جديد، بات هذا النوع من الذكاء متغلغلاً في حياتنا، من الخوارزميات التي تُنظّم خلاصات أخبارنا إلى أنظمة تشخيص الأمراض وقيادة سياراتنا.
قليلاً ما ينبع رهاب الذكاء الاصطناعي من فراغ، بل يستمد قوته من جذورٍ عميقة في التاريخ البشري وعلم النفس. هناك خوف دفين لدى الإنسان من أن يصنع شيئاً لا يستطيع السيطرة عليه في ما يشبه عقدة فرانكنشتاين. فالذكاء البشري والوعي والإبداع، ظلت دائماً في الوعي الجمعي شأناً مقدساً أو بيولوجياً فريداً. لكن الذكاء الاصطناعي يتحدى هذه الاستثنائية. فإذا كانت هذه التقنية قادرة على تأليف الموسيقى، أو كتابة الأدب، أو تشخيص الأمراض، أو حتى محاكاة التعاطف، فما الذي سيبقى لدى البشر من الفرادة. إن هذا التهديد الوجودي لمفهومنا عن أنفسنا يُغذي انزعاجاً عميقاً، يصبح من خلاله رهاب الذكاء الاصطناعي آلية دفاع ضد تآكل مكانتنا.
ومع ذلك يظل الخوف وجيهاً. فتفاقم الأتمتة صار يهدد عدداً هائلاً من الوظائف. وذلك لا يعني فقط خسارة فرص العمل وما يجره من كوارث، ولكن مسألة تبعية البشر للذكاء الاصطناعي، بحيث يتجه المجتمع نحو مجتمع البقاء اتكاءً على الآلة، وبالتالي فقدان القدرة الذاتية على الإنتاج والبقاء. فضلاً عن الغموض الذي يحيط بطفرات تطور بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي، حتى بالنسبة الى مبتكريها. هذا الغموض يُولّد انعدام الثقة. ويغذي خوفاً من الخضوع لمنطق غامض أو مُتحيز أو حتى خبيث.
لكن رُهاب الذكاء الاصطناعي، لا ينتج بالضرورة قلقاً مسؤولاً. فقد أصبحت هذه التقنية أمراً واقعاً، ومجرد الخوف منها لن يحد من سلبياتها، وبالتالي يجب أن يتحول الرُهاب إلى قلق عقلاني. يحدد المخاطر الملموسة بدلاً من خطاب الهلاك الوجودي الغامض. ويقييّمها على أساس القدرات الحالية والمسارات المعقولة، وليس وفقاً لسيناريوهات الخيال العلمي. والخروج من منطق الحتمية التكنولوجية، التي تفترض أن الذكاء الاصطناعي ماضٍ في تطوره وسيخرج عن سيطرة البشر أردنا ذلك أم لم نرد.
إلا أن المفكر الصيني، ليو يونغمو، يقلب وجه هذا الخوف السائد على رأسه. يطرح يونغمو في مقالة نقدية ما سماها "أتمتة الإنسان"، مشيراً إلى أن الخطر الحقيقي، ليس في إمكان سيطرة الذكاء الاصطناعي على الكوكب، ولا في تحول الروبوتات إلى بشر، بل في إمكان تحول البشر إلى آلات، بحيث تتغلغل قوة الثورة الذكية لتغير الإنسان العاقل نفسه، سواء على المستوى الجسدي أو على المستوى العقلي. وسيكون هذا التحول مدفوعاً بظهور ما يسمى "الإنسان العلمي". لا يقتنع هذا "الإنسان العلمي" بالتفسيرات الفلسفية أو الروحية لماهية البشر، بل يعتقد أن السلوك والعواطف البشرية يمكن اختزالها إلى معايير فيزيائية وكيميائية وبيولوجية. ويكمن جوهر هذا المفهوم في الاعتقاد أن "الإنسان ليس سوى آلة ذكية"، ويمكن بل يجب قياسها والتحكم بها وتعديلها. بالنسبة للإنسان العلمي، فإن قابلية الحكم والإدارة هي السمة الأساسية للإنسان.
لكن ما يظل في النفس، إنه رغم أن النقاشات السجالية الواسعة حول الذكاء الاصطناعي، والموزعة بين الطوباوية التكنولوجية والخوف الوجودي والمتشابكةً مع الأخلاق والوعي والعمل ومستقبل الوجود في جميع أنحاء العالم، إلا أن صمتاً عميقاً يلف معظم العالم العربي بشأن هذه القضية ذات الطابع الوجودي. فنحن خارج السجال تماماً. وهذا ليس مجرد فجوة معرفية مع بقية المناطق، بل دالاً مؤسفاً على حقائق هيكلية أعمق تُشكّل إنتاج المعرفة، والمشاركة العامة، بل وإمكان تصوّر مستقبل تكنولوجي بديل في بلداننا.