حذار التذاكي مع دونالد ترامب وخيانة الوعد فهو قادر على الانتقام ولديه الأدوات

كتاب النهار 12-10-2025 | 06:04
حذار التذاكي مع دونالد ترامب وخيانة الوعد فهو قادر على الانتقام ولديه الأدوات

انتقل معظم الدول العربية، بالذات الخليجية، من نمط الديبلوماسية الدفاعية الصامتة وراء الكواليس إلى منطق الاعتزاز بالديبلوماسية الهجومية المعلنة ذات الأهداف المنطقية للمصلحة القومية، وللمصالح الإقليمية، ولتموضع الدول العربية في موازين القوى الجديدة.

حذار التذاكي مع دونالد ترامب وخيانة الوعد فهو قادر على الانتقام ولديه الأدوات
دونالد ترامب ظاهرة لا يُستهان بها, وهو يعطي الشرق الأوسط الآن زخماً مفصلياً ومصيرياً. (أ ف ب)
Smaller Bigger

انتقل معظم الدول العربية، بالذات الخليجية، من نمط الديبلوماسية الدفاعية الصامتة وراء الكواليس إلى منطق الاعتزاز بالديبلوماسية الهجومية المعلنة ذات الأهداف المنطقية للمصلحة القومية، وللمصالح الإقليمية، ولتموضع الدول العربية في موازين القوى الجديدة.

بلا اعتذار ومن دون أي تردد أو خوف من الانتقام، أقبلت الدول الخليجية العربية على أدوارها الجديدة من دون أن تأبه لصعوبة التحديات الأيديولوجية التقليدية ومن دون أن تخشى جيوش الإحباط التخوينية العاجزة.

فُتِحَت صفحة مصيرية في نهج السياسة المنطقية التي وضعت تصوّر التطوّر الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي والذكاء الاصطناعي حجر أساس في الرؤية والخطة الوطنية، وأُغلِقَ الطريق أمام مشاريع التعطيل الخائبة.

براعة الديبلوماسية السعودية قطعت الطريق على مخرّبي مسيرتها التنموية والقيادية إقليمياً وعالمياً، كما بلورها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ليس بهدف الاستبعاد وإنما بهدف استدعاء الشراكة الخليجية والعربية ككتلة نفوذ استراتيجية تمكنت من التأثير على الولايات المتحدة الأميركية ونجَحت في استقطاب أهم الدول الأوروبية والإسلامية.

حدَثَ جديدٌ في قطر، إذ لعبت قيادتها أدواراً محورية في تحويل حركة "حماس" من عائق أمام إنقاذ غزة من مزيد من البطش الإسرائيلي بهدف الإبادة، إلى عاملٍ مسهِّلٍ للإجماع الإقليمي والعالمي على ضرورة تنحّي "حماس" عسكرياً وسياسياً كي يكون في الوسع وقف النزيف والدمار لاستبداله بالإعمار.

قطر وتركيا لعبتا دوراً محوريّاً في قطع الطريق على إيران من ناحية التأثير المفصلي على حركة "حماس"، كما على مصير غزة. انتهى منطق المقاومة المسلّحة مع استسلام "حماس" لمنطق الحل السلمي عبر الديبلوماسية.

خسرت طهران أحد أهم آخر أوراقها لتسويق مقولة إلحاق الهزيمة الكاملة بإسرائيل لإلغاء وجودها. انتصرت الواقعية السياسية الرامية ليس للدفاع عن المصالح القومية ومصلحة الفلسطينيين وحسب، وإنما الرامية أيضاً إلى الحلول مكان الإيديولوجيات المتهالكة والخاسرة والمفلسة.

العقيدة الإسرائيلية التوسعية والتوراتية خاسرة، وليس فقط عقيدة الجمهورية الإسلامية الإيرانية. كلاهما في مأزق، وفي الزاوية. ما نجحت به الشراكة الأميركية على مستوى الرئيس دونالد ترامب ومع قيادات الدول العربية والإسلامية العليا لا يقل عن انقلاب جذري لإطاحة العقائدية المدمِّرة الآتية:

أولاً، العقيدة الإسرائيلية القائمة على اعتماد "الدولة اليهودية" وسيلة "لتنظيف" الداخل الإسرائيلي والأراضي الفلسطينية المحتلة من الفلسطينيين، عبر التهجير والاستيطان لمنع قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية أو في غزة.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب عاد عن توجّهه نحو مباركة الاندفاع الإسرائيلي التوسّعي، بعدما استوعب ما سمعه من القيادات العربية والإسلامية بصورة حازمة حول استعدادها للسلام والتطبيع، شرط إيقاف إسرائيل عن مسارها الخطير القائم على التهجير والتدمير ودحض فكرة قيام دولة فلسطينية.

بكلام آخر، وضع الرئيس الأميركي العصا في دولاب العقيدة الإسرائيلية التوراتية. أوقف إسرائيل عن مشاريع تحويل غزة والضفة الغربية إلى يهودا والسامرة. هذا إنجاز كبير لا يُستهان به لأنه أتى على أيادي دونالد ترامب بالذات. إنه أيضاً إنجاز للديبلوماسية الخارقة التي أطلقتها السعودية بإصرارها على حل الدولتين وقيام دولة فلسطينية.

باختصار، إنه لحدث خارق حقاً ما فعله الرئيس دونالد ترامب بإيقافه مشروع العقيدة الإسرائيلية، وله كل التقدير لإيقافه عجلة التهجير ومشروع ضم الضفة الغربية وإعادة احتلال غزة.

ثانياً، العقيدة الأخرى التي هي في صدد الإطاحة بها بشكل أو بآخر هي عقيدة النظام في طهران، النووية والصاروخية والتوسعيّة عبر الوكلاء والميليشيات. انهزم "محور المقاومة" الذي تبنته الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتفكيك هذا المحور لايزال على قدمٍ وساق.

انتهى مشروع الهلال الفارسي، والذي سمي أيضاً الهلال الشيعي، عندما أُخرِج الحرس الثوري الإيراني من سوريا، وبعدما قامت إسرائيل بتدمير ذراع إيران الأهم أي "حزب الله" في لبنان. قُطِعت أوصال التواصل وباتت القيادات الإيرانية بين فكيّ الذعر والمكابرة والقلق العميق من انفجار داخلي في الصميم الإيراني للانقلاب على النظام.

أحسن الرئيس الأميركي المبادرة إلى دعوة إيران للالتحاق بمسار السلام الذي تطلقه "خطة ترامب" للشرق الأوسط. بذلك يساهم في تفكيك عقيدة النظام في طهران، فيما يضعه أمام إما مسار السلام وفوائده لشعب تلك الدولة العريقة، وإما مسار الاضطرار للاستسلام لأن الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل ودول أخرى لن تقبل بنظام نووي وتخريبي يعطّل مشروع الشرق الأوسط الجديد.

إذا ارتأت القيادات الإيرانية أنها ستمضي بشراء الوقت وبعقلية البازار لتجنّب السلام والاستسلام، فستجد نفسها تتمزق داخل عنكبوت عقيدتها الفاشلة والخاسرة، على الصعيد الداخلي والإقليمي أيضاً.

فذلك التآكل في موقع إيران في الموازين الإقليمية إنما يزيد من عزلتها ومن ضعفها محلياً وعالمياً. لا الصين ستأتي إلى إنقاذها وسط هذا الإجماع الأميركي- العربي- الإسلامي على مسار السلم للشرق الأوسط، ولا روسيا ستقحم نفسها كمخرّبٍ لهذا الإجماع. ثم أن لا الصين ولا روسيا ولا حتى كوريا الشمالية لها علاقة عقائدية مع العقيدة الإسلامية لإيران.

ثالثاً، العقيدة الثالثة الفاشلة والخاسرة هي لمزيج من القومية العربية التي استخدمت قضية فلسطين لتحقيق مآربها، وإيديولوجية اليسار العربي الذي، بمعظمه، أعطى نفسه تأشيرة المزايدة الإنشائية على المأساة الفلسطينية. انتهى زمن ارتهان الأجيال العربية لأوهام ابتلعت أحلامها لعقود. اليوم نحن أمام جيل عربي يتطلّع إلى الالتحاق بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ويطالب بحقه في النمو والاستفادة من موارد بلاده، ولن يتحمّل انماط الماضي التي تحمّلتها أجيال وأجيال قبله.

هذا جيل، لن يتحمَّل التحامل إينما كان في العالم، ولم يقف متفرجاً إزاء الانتهاكات الفظيعة التي قامت بها إسرائيل في حربها على غزة انتقاماً مما قامت به "حماس" في 7 تشرين الأول/ أكتوبر منذ سنتين. جيل عابر للقارات تحدّى أخلاقية إسرائيل برمتها فيما كانت تفضح نفسها، حكومة وشعباً، بموافقتها الضمنية على إبادة الفلسطينيين وليس فقط للتخلص من "حماس".

إسرائيل اليوم تحاول أن تلملم هويتها الملطّخة. إذا أرادت تنظيف سمعتها، أمامها الصدق في مسار حل الدولتين والعدل أمام الفلسطينيين، وإلاّ فإن انتحارها آتٍ مهما تعالت وافترضت أن شراء الوقت لمصلحتها لتحقيق حلمها التوراتي.

حركة "حماس" انتهت، حتى لو تبعثر قادتها في مدن وضيع، بالذات في تركيا، في انتظار التجمّع مجدداً لتحقيق حلم جماعة "الإخوان المسلمين" التي تريد تولّي السلطة في الدول العربية.

تركيا تحت المجهر لأنها قيادية في مسيرة جماعة "الإخوان"، رغم نفيها ذلك. إنها تحت المجهر لأن الرئيس رجب طيب أردوغان، من جهة، بات شريكاً في المشروع الأميركي الكبير للشرق الأوسط والذي يقوم على تفكيك العقيدة الإيرانية الشيعية وكذلك عقيدة "الإخوان المسلمين" السنّية. من جهة أخرى، قد يكون في ذهن أردوغان استخدام الشراكة الحميمة بينه وبين الرئيس دونالد ترامب، لتمكين موقع قدم تركيا في سوريا حيث علامة الاستفهام لاتزال كبيرة حول الجماعات الإسلامية وحول جماعة "الإخوان" بالذات... وحول نيات أردوغان.

تركيا مستفيد مالي رئيسي من ورش الإعمار في غزة وفي سوريا، وقد يكون الرئيس التركي قد قرر أن تقاربه مع الدول الخليجية ومصر والأردن في مشروع السلام لغزة، يشكّل له حافزاً لنقلة نوعية بعيداً من غايات جماعة "الإخوان" لزعزعة الاستقرار في مصر وغزة ودول خليجية عربية بينها دولة الإمارات. الأمر يستحق المراقبة والتحقق في آن واحد.

الأردن انتصر في إطار ما حققته الديبلوماسية العربية بإقناع الرئيس الأميركي بأن مقولة الأردن كوطن بديل للفلسطينيين زائفة وخطيرة. بهذا، فإن الخاسر هو إسرائيل، وكذلك جماعة "الإخوان المسلمين"، و"حماس" منهم.

مصر أحبطت مشروع إسرائيل ومشروع "الإخوان" بإصرارها على رفض تهجير "الإخوان المسلمين" إليها لزعزعة استقرار ها.

الفاشل الأكبر هو مشروع حركة "حماس" برمّته، منذ وُجِدت برضى إسرائيلي للإطاحة الكاملة بالسلطة الفلسطينية التي يرأسها محمود عباس، وهو كان مهندساً أساسياً في اتفاق أوسلو لعام 1993 والذي بموجبه قامت السلطة الفلسطينية في أراضٍ فلسطينية في الضفة الغربية وغزة. إسرائيل رضخت مجبرة على القبول بإتفاق أوسلو ظنّاً منها أنه بدعة عابرة فيما التزمها الجانب الفلسطيني إستراتيجية وجود في الأرض الفلسطينية بدلاً من البقاء في الشتات. محمود عباس تمسك برفض عسكرة أي انتفاضة فلسطينية، لأنه كان يدرك أن في ذهن إسرائيل الإبادة.

"حماس" خدعت الفلسطينيين بوجودها وبزوالها، بعقيدتها وبأفكارها البائسة التي أتت على الفلسطينيين في غزة بالموت والجوع والدمار- وفي مطلعها فكرة استخدام الرهائن ورقة تحرير لفلسطين.

إلى أين ستتوجه "حماس" الآن؟ عسى ألاّ يكون في ذهن الذين تبنوا دعم "حماس" أن تكون وجهتها سوريا أو لبنان. هذه مسؤولية أميركية بقدر ما هي مسؤولية تركية وخليجية. حذار خيانة الوعد بالسلام، تحت مظلة التظاهر بالاستسلام.

الرئيس الأميركي سيتوجه إلى مصر مطلع هذا الأسبوع لإطلاق قطار السلام بدل السلاح، وهو عازم على شرق أوسط جديد بشراكة استراتيجية، أمنية وسياسية واقتصادية، مع الدول العربية وكذلك مع تركيا، إضافة إلى العلاقة العضوية بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

دونالد ترامب يستحق التقدير والتشجيع لأنه التزم إنهاء حرب غزة وإيقاف مشروع إسرائيل، في مقابل الإلتزام العربي والتركي والإسلامي عموماً بإنهاء حركة "حماس" ودفن مبدأ المقاومة المسلحة مع الاستعداد للتعايش السلمي مع إسرائيل.

دونالد ترامب ظاهرة لا يُستهان بها مهما كانت التحفظات عن أدائه وسياساته وشخصيته المثيرة للجدل. هذا الرجل يعطي الشرق الأوسط الآن زخماً مفصلياً ومصيرياً. حذار التذاكي معه وخيانة الوعد لأنه قادر على الانتقام، ولديه الأدوات.