.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
هنا في كوننا السوي، انتهى للتو مونديال "اللعب" بمصائر المدنيين العزل، فهل سيتقدم أحد باعتذار رسمي للناجين من أهالي غزة؟
حشد غاضب وصاخب، يصرخ ويشتم ويرفع اللافتات المنددة في مطار إنشيون في العاصمة الكورية الجنوبية سيول، ويرشق بالبيض مجموعة من الرجال المرتدين للحلل الرسمية المتطابقة. وعوضاً عن الرد على الحشود باحتقان، أو حتى بالتجاهل والابتعاد، يقف الرجال ذوو الحلل السوداء، ويقومون بالانحناء بخضوع أمام الناس، مقدّمين أسفهم ومبدين ندمهم.
هؤلاء كانوا لاعبي المنتخب الكوري الجنوبي لكرة القدم. عمّ اعتذروا بإذلالٍ للناس؟ وماذا كانت جريمتهم؟ كان توديعهم المبكر لبطولة كأس العالم 2018. أتذكر أن الاتحاد الكوري الجنوبي لكرة القدم تنازل عن مقاضاة أي مشجع قذف اللاعبين بالبيض، وكأن تحمّل "الزنخ" كان كفّارتهم عن إحباط مشجعيهم.
في ذلك الكون الموازي، يُعتذر للشعب عن خسارة بضعة مباريات لكرة القدم، وعن مغادرة بطولة لم يكن المنتخب مرشحاً أصلاً للتتويج بها. في ذلك الكون الموازي، ينحني المخطئ أسفاً، ويركع خضوعاً، حتى لو كان رياضياً لم تكلّف أخطاؤه رجل الشارع شيئاً سوى تعكير مزاجه.
أما هنا في كوننا السوي، فقد انتهى للتو مونديال "اللعب" بمصائر المدنيين العزل، فهل سيتقدم أحد باعتذار رسمي للناجين من أهالي غزة؟
بديهياً، لن تعتذر لهم حكومة بنيامين نتنياهو المتفننة في إبادتهم. ولكن بالمثل، لن تعتذر "حماس" المقامرة بهم، وفق ما اتضح من مقابلة القيادي فيها غازي حمد مع "سي إن إن"، حينما دفع بالمذيع جيريمي دايموند ليسأله مذهولاً، "كيف تنظر إليّ بوجه جاد وتخبرني بأن حماس لن تقبل بأي جزء من المسؤولية عما حدث؟".
لن يعتذر محللو "الغفلة"، مثل فايز الدويري، الذي كان يحاضر عن "الخواصر الرخوة" ليوهم غزة بعلو كعبها العسكري. لن يعتذر إعلاميو الغوغائية، ولا مؤسساتهم الإعلامية التي ظلت تنفخ في المقاومة، وتبالغ في تقدير إمكانياتها وقوتها، كأنما تحتضن الأنفاق رؤوساً نووية جاهزة لمحو تل أبيب عن الخريطة. لن يعتذر المشايخ والدعاة، مثل محمود حسنات، الذي حض على "الجهاد"، وهو الذي ترك غزة ليستجير بتركيا. لن يعتذر محمد أبو تريكة، نجم كرة القدم المعتزل، الذي لوّح بمقاطعة كل ما هو غربي نصرة لغزة، وادعى قطعه لدراسة ابنه في أميركا، ثم حمل "آيفون 17 برو ماكس" فور طرحه للبيع!
حتى "مجاهدو الكيبورد" سيغلقون تطبيقات التواصل الاجتماعي بهدوء، ولن ينحنوا -ولو افتراضياً- بالاعتذار بعدما "شبّحوا" طوال عامين على كل غزاوي يلعن تهوّر "حماس"، أو يسخر من ترسانتها من "الخردة" العاجزة عن حمايته. لن يعتذروا اليوم عن اتهامه بالخيانة والعمالة، ولا عن المزايدة عليه حينما أرهقته الحرب، ولا عن إرغامه على اعتبار الجحيم "عزّة".
لن تطبب "آسفون" الجراح، ولن تحيي الشهداء، ولن تعمّر المنازل. ولكن حتى هذا الاعتذار الرخيص الفارغ، غير النابع من القلب، والذي قد يؤدّى روتينياً لمجرد "رفع العتب" بعد الخروج صفر اليدين من "مونديال" الدموية والخراب، يُستكثر على أهالي غزة.