لماذا يُعارض "حزب الله" انتخاب المغتربين وفق صيغة سبق أن ارتضى بها؟

كتاب النهار 07-10-2025 | 04:00
لماذا يُعارض "حزب الله" انتخاب المغتربين وفق صيغة سبق أن ارتضى بها؟

ما هي خلفية هذا التشدد الحالي بعد الموافقة السابقة؟ كثيرة هي الأسباب، وكلها تنطلق من سيناريوات متصلة بما يشي به الميدان، على اعتبار أنّ هناك تكتماً على الحقائق الفعلية.

لماذا يُعارض "حزب الله" انتخاب المغتربين وفق صيغة سبق أن ارتضى بها؟
يخشى "حزب الله" أن يأتي الموعد المبدئي لانطلاق العملية الانتخابية في ظروف مختلفة عن الدورات السابقة. (أ ف ب)
Smaller Bigger

في العام 2022، لم يكن وضع "حزب الله" في العالم أفضل مما كان عليه حالياً، على مستوى التصنيف الإرهابي، فغالبية الدول خليجية كانت أو غربية، أدرجته، بجناحيه أو بجناحه العسكري، على قوائمها السوداء، ومع ذلك وافق على أن يقترع المغتربون من أماكن إقامتهم للمرشحين في الدوائر التي إليها ينتمون في لبنان.

حينها، لم يكترث "حزب الله" لما يثيره حالياً من أسباب تدفعه الى تشديد معارضته لتكرار سيناريو العام 2022. تخطاها كلها وسار بتعليق المادة 112 التي تحصر انتخاب المغتربين بستة نواب موزعين على قارات العالم.

لماذا غيّر الحزب موقفه من "مسهّل" قبل أربع سنوات إلى "معرقل"حالياً؟

جميع الناطقين باسم الحزب لا يقدمون أجوبة عن خلفية هذا التغيير الجذري في الموقف. يكتفون برفع لواء "المظلومية"، لجهة "انعدام تكافؤ الفرص" بينهم وبين منافسيهم، ويستقوون بقدرة الرئيس نبيه بري على منع الهيئة العامة لمجلس النواب عن مناقشة ملف قانون الانتخاب، وتحديداً كل ما له صلة بانتخاب المغتربين، لأنّ كل الإحصاءات تفيد بأنّ موضوع انتخاب المغتربين لجميع المرشحين من حيث يقيمون، يحظى بأكثرية نيابية كافية ووافية.

ما هي خلفية هذا التشدد الحالي بعد الموافقة السابقة؟ كثيرة هي الأسباب، وكلها تنطلق من سيناريوات متصلة بما يشي به الميدان، على اعتبار أنّ هناك تكتماً على الحقائق الفعلية.

في الدورات الانتخابية الماضية، كان "حزب الله" يسيطر سيطرة كاملة على أقلام الاقتراع حيث لديه مرشحون. وطالما شكت تقارير الفرق المختصة بمراقبة عمليات الاقتراع من تزوير في الأقلام، من جهة ومن فائض القوة، من جهة ثانية. وكان ينتج عن ذلك "تهريب" المراقبين، الحياديين منهم والتابعين للوائح المنافسة، ما يمكّن مندوبي الحزب من تعبئة الصناديق بأوراق اقتراع لأشخاص تغيّبوا عن العملية الانتخابية أو قاطعوها.

وكان هذا السلوك غير القانوني كفيل بمنع الخروق وإنجاح من يرغب الحزب بإنجاحهم، وإحباط نتائج المقترعين في الاغتراب، والذين، خلافاً لما هي عليه الحال داخل لبنان، يملكون حرية الاختيار، حيث لا تُمارس عليهم أنواع الترغيب والتهويل التي تمارس على المقترعين في الداخل اللبناني.

ويخشى "حزب الله" أن يأتي أيّار/ مايو المقبل، الموعد المبدئي لانطلاق العملية الانتخابية، في ظروف مختلفة عن الدورات الانتخابية السابقة، بحيث تكون سلطة الدولة في مراكز الاقتراع أقوى من أيّ يوم مضى، ما يحد من قدرته على طرد المراقبين والتصرف بحريته مع صناديق الاقتراع. وفي حال صدقت هذه المخاوف، خصوصاً وأنّ عيون العالم ستكون شاخصة إلى العملية الانتخابية بأكملها، فهذا من شأنه أن يعطي صوت المغتربين تأثيراً مهما على النتائج، فيحصل ما لا يريد الحزب حصوله: خروق تمنع احتكاره و"حركة أمل" للتمثيل الشيعي.

ولا تقتصر مخاوف الحزب عند هذه المسألة فحسب، بل تتعداها أيضاً إلى عدم الثقة بإقبال كبير لأبناء الطائفة الشيعية على صناديق الاقتراع، بحيث يتكرر انخفاض النسبة، وفق ما حصل في الانتخابات البلدية الأخيرة. وفي هذه الحالة أيضاً، يكون لصوت المغتربين تأثير مهم على نتائج الانتخابات!

صحيح أنّ كل التقارير تفيد بأنّ هناك التفافاً شيعياً حول "حزب الله"، وتالياً ستكون الانتخابات لصالحه، ولكنّ الصحيح أيضاً أنّ هناك امتعاضاً ممنوع التعبير عنه، ويستحيل على الجميع باستثناء الحزب قياس مداه وعمقه وجديّته.

وإذا كان الحزب نجح في رفع مستوى الخوف عند أبناء الطائفة الشيعية من "اللبناني الآخر" ومن النظام السوري الجديد، إلا أنّ لدى الكثيرين مقاربة نقدية لدور الحزب نفسه، في صناعة هذه المخاطر، فهو تسبب بحرب مع إسرائيل، لم يكن يملك لا الرؤية لمداها ولا القدرة على مواجهتها، وهو كان وراء تحويل سوريا إلى دولة معادية، عندما رمى نفسه في أحضان النظام المخلوع، كما تسبب، بفعل استغلال فائض القوة، بمشاكل ليس مع القوى السياسية الأخرى وحسب، بل مع سائر العائلات الروحية في لبنان.

ويخشى "حزب الله" أن تتفاقم هذه الامتعاضات الشيعية، مع حلول موعد الانتخابات النيابية، وتنقلب النتيجة، بتأثير الصوت الاغترابي، عليه!