لماذا نساء دبي مدينات لراشد بن سعيد؟

كتاب النهار 04-10-2025 | 06:17
لماذا نساء دبي مدينات لراشد بن سعيد؟
مبادرة واحدة من قائد حكيم وصادق اختصرت على بنات دبي سنوات لا يعلم بها سوى الله لاستمالة ذويهن نحو التعليم النظامي. مبادرة واحدة حضر فيها الفعل لا القول، والمثال الحي لا المواعظ الصماء، غيّرت حياة نساء هذه المدينة إلى الأبد...
لماذا نساء دبي مدينات لراشد بن سعيد؟
لم يستطع راشد بن سعيد أن يجلس مكتوف الأيدي، ويترك الطفلات يحصدن ثمار الهواجس غير المنطقية لأهاليهن
Smaller Bigger

يعود تأسيس أول مدرسة أهلية شبه نظامية في دبي إلى 1912، وهي مدرسة الأحمدية للبنين، بينما تأجل التعليم النظامي للبنات حتى 1956 حينما أُسست مدرستان في ناحيتي دبي، اللتين يفصل بينهما الخور؛ ففي "ديرة" افتُتحت مدرسة الخنساء، وفي "برّ دبي" مدرسة خولة بنت الأزور.

للأسف، فالإقبال على التعليم النظامي للفتيات كان مخيباً للآمال في العام الدراسي الأول، واقتصر على 19 طالبة فقط، أي أقلّ من كثافة فصل واحد في زماننا الحالي. بل تذكر الدكتورة رفيعة غباش، مؤسسة متحف المرأة في دبي، بأن ضعف الإقبال جعل المسؤولين عن التعليم في الإمارة يبثون شكاويهم وإحباطاتهم إلى سمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حاكم دبي آنذاك -رحمه الله-.

وسبب الجفاء تجاه المدرستين واضح، فأهالي دبي كانوا متخوّفين من التعليم النظامي للفتيات، إذ قد اعتادوا على نظام الكتاتيب العتيق، وعلى الدفع بطفلاتهم إلى "المطوّعة"، التي تكتفي بتعليمهن القراءة والكتابة، والقرآن الكريم، والأحاديث النبوية، والقليل من مبادئ الرياضيات. ولم تعان هؤلاء "المطوعات" عموماً في نيل ثقة الأهالي، فقد كنّ نساء معروفات مجتمعياً، محافظات، ملتزمات، وصارمات أيضاً في تأديب الطفلات.

ولكني أعتقد بأن التاريخ، الذي دوماً ما يشكر رواد تعليم المرأة في عالمنا العربي، مقصّر ومجحف في استذكار الموقف العبقري الذي اتخذه راشد بن سعيد لحل أزمة تعليم البنات، بل واجتثاثها من جذورها.

كل ما فعله حاكم دبي هو أنه سجّل بناته في ذات المدرسة النظامية العامة التي يرتعب منها الأهالي، فأدرجهن في ذات الفصول، وأجلسهن أمام ذات السبورة، ولقفهن ذات الكتب والدفاتر، كأنما لسان حاله يقول: "إذا كان تعليم الفتيات النظامي سلاحاً فتاكاً، فسأجابهه بقلبي وفلذة كبدي قبل قلوبكم وفلذات أكبادكم".

وكان لمبادرة راشد بن سعيد مفعول السحر حقاً، إذ ولّدت طمأنينة عميقة تجاه المؤسسات التعليمية، وقناعة قوية بتعليم الفتيات نظامياً، فقفز عدد الطالبات في دبي إلى 490 في العام الدراسي الثاني، وبواقع 25 ضعفاً!

لم يستطع راشد بن سعيد أن يجلس مكتوف الأيدي، ويترك الطفلات يحصدن ثمار الهواجس غير المنطقية لأهاليهن، فيخسرن الوقت والفرص، وربما تُغلق دونهن نافذة التعليم. ولأنه قائد حقيقي وقريب حد التماهي من شعبه، فقد تقدّم الصفوف، وواجه "العدو"، حتى وإن كان عدواً متخيلاً لا أكثر في أذهانهم، وصيّر البعبع المريع ملاذاً آمناً لهم ولبناتهم.

مبادرة واحدة من قائد حكيم وصادق اختصرت على بنات دبي سنوات لا يعلم بها سوى الله لاستمالة ذويهن نحو التعليم النظامي. مبادرة واحدة حضر فيها الفعل لا القول، والمثال الحي لا المواعظ الصماء، غيّرت حياة نساء هذه المدينة إلى الأبد، وصنعت جيلاً من النساء المتعلمات اللواتي لم يساومن بعد ذلك على تعليم بناتهن وحفيداتهن.

فجزاه الله عني وعنهن خير الجزاء مع اقتراب الذكرى الـ35 لرحيله.