حين تصبح “الفرنسية” لغة بملامح إفريقية

مقالات 02-10-2025 | 04:06
حين تصبح “الفرنسية” لغة بملامح إفريقية

“هل ستبقى الفرنسية لغة عالمية؟” بل “أي فرنسية ستبقى؟”، هل هي النسخة الجامدة التي تحرسها الأكاديمية الفرنسية، أم النسخة الحية التي يبتكرها شباب أبيدجان وداكار وكينشاسا؟

حين تصبح “الفرنسية” لغة بملامح إفريقية
الفرنسية اليوم ليست ملكاً لفرنسا، بل ملك لملايين الأفارقة الذين يعيدون رسم حدودها. (أ ف ب)
Smaller Bigger

لم تعد اللغة الفرنسية في إفريقيا كما كانت قبل عقود، لغةً مفروضة بقوة الاستعمار، تُلقَّن في المدارس وتُفرض في الإدارات.

اليوم، وقد أصبحت تحتل المرتبة الخامسة عالمياً من حيث عدد الناطقين بها، تشهد ثورة صامتة لكنها عميقة. إنها ثورة شبابية تُعيد تشكيل اللغة الفرنسية على إيقاع الواقع الإفريقي، فتصبح أكثر التصاقاً بالحياة اليومية وأقرب إلى نبض الشارع.

تشير دراسات إلى أنه بحلول عام 2050 سيكون 85% من الناطقين بالفرنسية في إفريقيا. ومع هذا المعطى، لم يعد مستغرباً أن تتخذ الفرنسية ملامح جديدة، لا تُرسم في قاعات الأكاديمية الفرنسية بباريس، بل في حواري أبيدجان وأسواق كينشاسا وشوارع دكار.

فلنأخذ “النوشي” مثالًا. وهو أرغو (Argot) إيفواري، أي عامية شبابية خاصة، أو بالأحرى لغة هجينة مبنية على الفرنسية لكنها تمزجها بكلمات من اللغات المحلية ومعانٍ مبتكرة.

نشأ “النوشي” في شوارع أبيدجان، وفق مصادر متطابقة، في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، وهناك من يرجع بداياته إلى أوائل السبعينيات. كان في البداية لغة الشباب المهمَّشين، ثم صار اليوم لغة يومية تُستعمل في الموسيقى ووسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية. ومن أشهر مفرداته كلمة “go” التي تعني “فتاة” أو “صديقة”، وقد تُستخدم أحياناً بمعنى “حبيبة” في سياقات معيّنة، وكذلك التعبير “s’enjailler” الذي يعني “الاستمتاع” أو “التسلية”. وقد انتشرا لاحقاً في دول إفريقية أخرى، ووصل صداهما إلى ضواحي باريس.

الكلمات تولد في الأحياء الشعبية، ثم تعبر الحدود عبر الموسيقى ومواقع التواصل، لتصنع قاموساً جديداً لا يعترف بالحدود التقليدية بين “الفصحى الفرنسية” ولهجاتها.

هذا التحول يثير قلق بعض النخب الفرنسية التي ترى فيه “تلوثاً” للغة، لكنه في الواقع دليل على حيويتها. فاللغة التي لا تتغير تموت. والفرنسية، كما يقول الفيلسوف السنغالي سليمان بشير ديان، “تتفتح يومياً في إفريقيا”؛ إذ يُعاد تشكيلها في الأغاني والمسرحيات والبرامج الساخرة، وتتحرر من قوالبها الجامدة لتصبح لغة شعبية حقيقية.

لكن هنا يكمن التناقض؛ فبينما يبتدع الشباب الأفارقة فرنسية جديدة، تزداد القطيعة السياسية مع فرنسا. التوترات مع باريس، وطرد السفراء والقوات العسكرية، وإحياء خطاب “الاستعمار الجديد”، كلها جعلت الفرنسية في نظر البعض رمزاً لمرحلة يريدون تجاوزها.