ترامب يُفكّك أعمدة الغرب الثلاثة

كتاب النهار 29-09-2025 | 05:00
ترامب يُفكّك أعمدة الغرب الثلاثة

شهدت الحرب الأوكرانية ذروة التضامن الغربي... حتى عاد ترامب إلى السلطة وكسر هذا الإجماع، كاسراً معه ثلاثة أعمدة أساسية شكلت معاً كينونة هذا الغرب.

ترامب يُفكّك أعمدة الغرب الثلاثة
بدون قيادة الولايات المتحدة وبغياب قوة أوروبية واحدة، قد ينقسم الغرب غير الأميركي أكثر. (أ ف ب)
Smaller Bigger

ربما تعجّل الفيلسوف والمؤرخ الألماني، أوسفالد شبينغلر، الحكم عندما أصدر عام 1918 أطروحته الشهيرة "انحدار الغرب". فالغرب لم ينحدر حينذاك بل ازداد قوةً وتماسكاً. لكن فخّ العجلة، الذي وقع فيه شبينغلر لا يمنع من كونه شاهد من بعيد نُذر هذا الانحدار؛ ذلك أن ما يعيشه هذا الغرب اليوم من أزمة هيكلية غير مسبوقة، يشير إلى انحداره دون وقوعٍ نهائي، والأقرب إلى تراجعه عن صدارة الهيمنة على العالم. وكأشراط الساعة، التي رُبطت في اللاهوت بظهور شخصياتٍ غربيةٍ، فإن عودة ترامب إلى الحكم ربما تكون من أشراط هذا الانحدار المديد.

تشكل الغرب الذي نعرفه اليوم ككيانٍ جيوسياسي خلال الحرب الباردة، متمحوراً حول الحلف الأطلسي، بقيادة الولايات المتحدة. وارتبط بالتزام مشترك بالديموقراطية الليبرالية، والدفاع الجماعي ضد التهديد السوفياتي، ونظام دولي قائم على القواعد، مُصمم للحفاظ على الهيمنة الغربية. لكن خسارة العدو، ما بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، أحدثت تغييرات بنيوية على عقيدته الاقتصادية، من دون أن تمس نطاق هيمنته على العالم، بل عززتها، وصولاً إلى الحرب الأوكرانية، التي شهدت ذروة التضامن الغربي، إلى أن عاد ترامب إلى السلطة وكسر هذا الإجماع، كاسراً معه ثلاثة أعمدة أساسية شكلت معاً كينونة هذا الغرب.

أولها القيم المشتركة التي تبلورت في الديموقراطية الليبرالية كسردية تبشيرية. في المقابل، يأتي ترامب من خلفية سياسة وفكرية مضادة للّيبرالية، ويعمل منذ عودته إلى السلطة على توسيع السلطة التنفيذية، ومهاجمة المؤسسات الأكاديمية، وتقويض استقلال القضاء، وإعطاء السلطة طابعاً شخصياً، وتوسيع قاعدة الشعبوية. وهو ما أصبح عقبة أمام توافق أميركي أوروبي، ويحطم أسطورة "التحالف القائم على القيم" الموحّدة، التي تدافع عن الفرد وحقوق الإنسان. أما العمود الثاني فهو العقيدة الأمنية المشتركة، فلطالما كان التقييم الجماعي للتهديدات، خاصةً في ما يتعلّق بروسيا، بمثابة الركيزة الأساسية لحلف الناتو. لكن إدارة ترامب لم تعد تعامل روسيا كخصم رئيسيّ؛ فقد رفضت إدانة موسكو في المحافل متعدّدة الأطراف، واستأنفت التواصل الديبلوماسي رفيع المستوى. يُصوّر ترامب حرب أوكرانيا على أنها "مشكلة أوروبية"، مُلقياً باللوم على كييف في إثارة الصراع، كما علّقت إدارته المساعدات العسكرية الحيوية لأوكرانيا في منتصف عام 2025. أما العمود الثالث فهو الرؤية المشتركة للنظام الدولي، الذي كان إلى حد كبير مشروعاً غربياً بقيادة الولايات المتحدة، وتم إضفاء الطابع المؤسسي عليه من خلال الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية. وفي حين أن ولاية ترامب الأولى قد أشارت بالفعل إلى التشكك تجاه النظام الدولي ومؤسساته، فإن ولايته الثانية تمثل هجومًا واسع النطاق. ومنذ يومه الأول في المنصب، انسحب من منظمة الصحة العالمية واتفاقية باريس للمناخ وجمد المساعدات الخارجية، كما فرضت إدارته رسوماً جمركية أحادية الجانب حتى على الحلفاء، واصفاً الاتحاد الأوروبي بأنه "عدو". كذلك، عبّر علناً عن نيته ضمّ غرينلاند وكندا. وقد ظهر بوضوح موقفه من هذا النظام في خطابه الأخير في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ومن عواقب تفكّك هذه الأعمدة الثلاثة، تعميق التشرذم الغربي، فبدون قيادة الولايات المتحدة، وفي غياب قوة أوروبية واحدة قادرة على ملء الفراغ، قد ينقسم الغرب غير الأميركي أكثر، منكمشاً إلى قوى صغيرة ومتوسطة. في المقابل، يسرع ذلك التعددية القطبية، وقد يُفسح إرث الهيمنة الغربية المجال لنظام دولي أكثر تنوعاً وتنافساً، وفي نهاية المطاف أكثر تمثيلاً، كما قد يخلق في اتجاه معاكسٍ، حالة من الفوضى في الوقت المستقطع بين انحدار القديم وظهور الجديد، وهي فترة "الوحوش الضارية"، وفق ما يصفها المفكر النقدي أنطونيو غرامشي، والتي من المحتمل أن تكون فيها القوى الفاعلة أقل احتكاماً إلى القواعد وأكثر افتراساً.