.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
كان يمكن لرئيس الحكومة نوّاف سلام أن يتغاضى عن النشاط الذي قرر "حزب الله" أن يقيمه على صخرة الروشة، في إطار برنامج إحياء الذكرى السنوية الأولى لاغتيال السيّدين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، في ما اعتبر أكبر ضربة وجهتها إسرائيل إلى الحزب. لو تغاضى عن التدخل لمنع هذا النشاط، ولكانت الأمور قد مرّت، بالحد الأدنى من التداعيات، خصوصاً أنّه حدث"عابر"، لأنّ الإضاءة المقررة للصخرة تنتهي بانتهاء البرنامج المقرر. لكنّ سلام، وفي ضوء الضجة التي أثارها نواب بيروتيّون، قرر التدخل، بما يملكه من صلاحيات، من أجل أن يقول لتوم براك والآخرين، ممّن ينتقدون عجز الحكومة أمام الحزب، إنّه، فعلاً وليس قولاً، "زمن أوّل تحوّل"، فما كان استباحة في الماضي أصبح منظماً وممسوكاً ومقونناً، حالياً!
ما حصل يُظهر أنّ الرياح جرت بما لا تشتهي سفن رئيس الحكومة، فـ"حزب الله"، خرق عن عمد، الاتفاق الذي تمّ التوصل إليه بين الجهة المنظمة ومحافظ بيروت!
بدا الرئيس سلام، حيال ما حصل، كأنّه، وفق توصيف مستعار من الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند، مرشح لجائزة نوبل للعجز. في الخامس من أيلول/سبتمبر رحّب بخطة وضعها الجيش اللبناني لسحب سلاح "حزب الله"، تتنافى مع قرار الحكومة الصادر في الخامس من آب/أغسطس. في القرار يفترض بالجيش أن يضع خطة من شأنها نزع السلاح في كل لبنان، بمهلة أقصاها نهاية العام الجاري، من دون ربط ذلك بأيّ استحقاق آخر، لأنّ قرار بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها يستند الى اتفاق الطائف والبيان الوزاري وخطاب القسم، وليس إلى تفاهم وقف العمليات العدائية المتفق عليه بوساطة أميركية بين لبنان وإسرائيل. كان للجيش خطة مختلفة، أعاد ربط تنفيذ قرار الحكومة بتنفيذ التفاهم، وخصص مهلة 3 أشهر لجنوب نهر الليطاني حصراً، ولا يمكن الانتقال إلى مناطق أخرى قبل الانتهاء من جنوب نهر الليطاني، الأمر الذي يقتضي أن تنسحب إسرائيل، من حيث لن تنسحب حالياً، أي التلال التي احتلتها في جنوبي لبنان، ممّا يُسهّل عليها إقامة منطقة حمراء، تمنع دخول أي كان إليها، على طول المنطقة اللبنانية من الحدود.
في ضوء خطة الجيش، وجد سلام نفسه "معزولاً"، فهو في مكان والوزارات والمؤسسات العسكرية والأمنية الأقرب إلى رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، في مكان آخر. الجميع يتواصلون مع "حزب الله"، وفي مكان ما يسترضونه، فيما الحزب يصوّب على رئيس الحكومة، من دون انقطاع.
وجاءت فعالية صخرة الروشة، فبدت كأنّها مناسبة إمّا ليعيد سلام الأمور إلى نصابها وإما لإظهار أنّه في مكان والآخرين في مكان آخر. بدا واضحاً أنّ الأدوات التنفيذية في الدولة ليست بتصرف رئيس السلطة التنفيذية، على الإطلاق!
ويعرف نوّاف سلام أنّ الأجهزة الأمنية لم تفاجأ بما فعله "حزب الله" على صخرة الروشة، عصر الخميس. الجميع كانوا يعرفون أنّ الحزب قرر تمزيق الترخيص الممنوح للمنظمين، بدليل أنّ "النهار" نشرت ذلك في خبرها الرئيس، قبيل أن ينبلج فجر الخميس!
حالياً، قرر سلام مواصلة المعركة مع "حزب الله". خصص كل وقته كرئيس حكومة من أجل دفع أجهزة الدولة إلى القاء القبض على كل من تورط بخرق حدود الترخيص الممنوح لمنظمي فعالية الروشة، من أجل إعادة الاعتبار إلى كلمة الدولة، من جهة، وإلى توكيد سلطته، من جهة أخرى!
لن يخسر سلام شيئاً من معركته هذه، فإذا خسر فلن تخسر الدولة هيبة فقدتها، مرتين على الأقل؛ وإذا دُفع إلى الاستقالة فلن يكون سهلاً استبداله بأي أحد آخر، في هذه المرحلة، لأنّه، ولو ظهر عاجزاً، إلّا أنّه سيتحوّل إلى رمز يدفع ثمن قرار إعادة الاعتبار إلى الدولة؛ وإذا تمّ شل الدولة، فإنّ الاحتلال باق ويتمدد وكذلك الدمار وعجز "حزب الله" عن العودة إلى مواجهة إسرائيل!
في مكان ما، لم يقفز نوّاف سلام عن صخرة الروشة، بل دفع الدولة العاجزة نحو الفراغ، وهي التي كانت تترنح على حافة تلك الصخرة التي طالما اعتمدها اليائسون منصة للانتحار!