هل هو مؤتمر الفرصة الأخيرة؟

كتاب النهار 25-09-2025 | 04:15
هل هو مؤتمر الفرصة الأخيرة؟

هل يشكل مؤتمر حل الدولتين بداية مسار جديد نحو الحل، أم أنه مجرد محطة رمزية تُضاف إلى سجل مؤتمرات كثيرة رفعت سقف التوقعات ثم انتهت إلى لا شيء؟

هل هو مؤتمر الفرصة الأخيرة؟
هل تتحول هذه اللحظة إلى مسار فعلي يفرض العدالة؟ (أ ف ب)
Smaller Bigger

مؤتمر حلّ الدولتين الذي انعقد في نيويورك بدا وكأنه لحظة استثنائية في تاريخ القضية الفلسطينية، إذ قاده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جانب وزير الخارجية السعودي، وحظي بتأييد واسع من 142 دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة. مشهد لم يكن متخيلاً قبل سنوات قليلة أن يتحول إلى واقع: أوروبا تتقدم إلى الواجهة، والسعودية تحضر بفاعلية، فيما تقف الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة عزلة متزايدة. بالنسبة لكثير من الفلسطينيين، كان المشهد أقرب إلى حلم سياسي طال انتظاره، أن تعود قضيتهم إلى قلب الأجندة الدولية بعد عقود من التهميش والانشغال الإقليمي والدولي.

لكن السؤال المركزي الذي فرض نفسه مباشرة هو: هل يشكل هذا المؤتمر بداية مسار جديد نحو الحل، أم أنه مجرد محطة رمزية تُضاف إلى سجل مؤتمرات كثيرة رفعت سقف التوقعات ثم انتهت إلى لا شيء؟ التاريخ القريب يقدم أمثلة عديدة: مؤتمر مدريد 1991 الذي جمع العرب وإسرائيل لأول مرة لكنه ترك القضايا الجوهرية معلقة، اتفاق أوسلو 1993 الذي منح الفلسطينيين سلطة انتقالية محدودة بينما واصل الاحتلال ترسيخ وجوده، ومؤتمر أنابوليس 2007 الذي حشد أكثر من أربعين دولة لكنه انتهى دون نتائج بسبب الانقسام الفلسطيني والانحياز الأميركي لإسرائيل. فما الجديد هذه المرة؟

ما يميز مؤتمر نيويورك 2025 أنه لم يكن برعاية أميركية بل أوروبية–عربية مشتركة، وهو تحول مهم يعكس تراجع الهيمنة الأميركية المطلقة. كما تزامن مع اعترافات متتالية بدولة فلسطين من بريطانيا وكندا وأستراليا وبلجيكا وغيرها، وهو تطور غير مسبوق يفتح الباب أمام عزلة دبلوماسية إسرائيلية متصاعدة. كذلك جاء في توقيت حساس بالنسبة لإسرائيل، التي تواجه انقسامات داخلية وأزمات اقتصادية وتحديات سياسية لم تعهدها منذ عقود. ومع ذلك، تبقى عناصر الشبه مع الماضي حاضرة: غياب ضمانات تنفيذية ملزمة، استمرار التفوق العسكري الإسرائيلي، وبقاء الانقسام الفلسطيني الداخلي عائقاً أمام أي تقدم.

المؤتمر تبنّى “إعلان نيويورك” الذي نص على مسار لا رجعة فيه نحو حل الدولتين، وتضمن تشكيل فرق عمل دولية، وبعثة استقرار أممية في الأراضي الفلسطينية، ودعم إصلاحات في السلطة الفلسطينية. الرئيس محمود عباس قدّم تعهدات واسعة: دولة غير مسلحة، التزام بالتسوية السلمية، انتخابات عامة، وإصلاحات في المناهج والحكم. هذه التعهدات لاقت ترحيباً دولياً لكنها وضعت القيادة الفلسطينية أمام امتحان صعب؛ فتنفيذها يتطلب إعادة تعريف المشروع الوطني، والانتقال من إدارة كيان انتقالي تحت الاحتلال إلى محاولة فرض وجود دولة كاملة سياسياً وديبلوماسياً.

في المقابل، الحضور السعودي والعربي حمل دلالة واضحة بأن بعض العواصم العربية بدأت تتحرك نحو دور أكثر تأثيراً، في ظل نظام دولي متعدد الأقطاب يمنحها فرصة لتكون بيضة القبان لا مجرد تابع للسياسات الأميركية. لكن حتى الآن، لا يبدو أن هناك قراراً عربياً بالانتقال من الدعم الرمزي إلى الضغط الفعلي عبر أدوات اقتصادية أو سياسية يمكن أن تغيّر الموازين.

إسرائيل ردت على المؤتمر بغضب، لوّحت بالضم، وهاجمت الأمم المتحدة والمشاركين فيه. لكن وراء هذا الخطاب هناك قلق حقيقي من أن اعترافات دول مقربة من واشنطن كالمملكة المتحدة وكندا وأستراليا تمثل اختراقاً استراتيجياً قد يتوسع بمرور الوقت. تل أبيب تدرك أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى عزلة شبيهة بتجربة جنوب أفريقيا قبل سقوط نظام الفصل العنصري، لكنها تراهن على عاملين أساسيين: الدعم الأميركي غير المشروط، والقدرة على كسب الوقت عبر فرض وقائع يومية على الأرض بالاستيطان والتهويد.

أما الولايات المتحدة فظل موقفها العقبة الكبرى؛ إدارة ترامب حذّرت علناً من الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وألمحت إلى عواقب على حلفائها، مؤكدة أن أي مسار لا يمر عبر واشنطن سيظل بلا قيمة عملية. هنا يتجلى المأزق؛ لا يمكن لأي مؤتمر دولي أن ينجح في فرض تسوية ما لم يُكسر احتكار الفيتو الأميركي لمجلس الأمن.

في ضوء ذلك، يبرز سؤال اللحظة: هل ما جرى في نيويورك هو بداية مرحلة جديدة بالفعل، أم أنه الحلقة الأخيرة في سلسلة من الفرص الضائعة؟ من جهة، المؤتمر أعاد الاعتبار للقضية الفلسطينية على المسرح الدولي، وكشف أن إسرائيل لم تعد محصنة ديبلوماسياً كما في الماضي. ومن جهة أخرى، يظل نجاحه مرهوناً بقدرة الفلسطينيين على توحيد صفوفهم واستثمار الزخم، وبقدرة العرب على توظيف أوراقهم الاقتصادية والسياسية، وبمدى استعداد المجتمع الدولي لتجاوز الرمزية إلى فرض التزامات على إسرائيل.

قد يكون مؤتمر نيويورك هو الفرصة الأخيرة لإنقاذ حل الدولتين قبل أن يبتلعه الواقع على الأرض. فإما أن يتحول إلى نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من الفعل السياسي والديبلوماسي، أو ينضم إلى قائمة مؤتمرات رفعت الأمل ثم انطفأت في مواجهة موازين القوة. بين الأمل واليأس، يقف الفلسطينيون والعرب والمجتمع الدولي أمام اختبار حاسم: هل تتحول هذه اللحظة إلى مسار فعلي يفرض العدالة، أم تبقى مجرد صفحة أخرى في أرشيف الفرص الضائعة؟