رأسمالية الدولة الجديدة

كتاب النهار 22-09-2025 | 05:02
رأسمالية الدولة الجديدة
شكلت عودة دونالد ترامب إلى السلطة مطلع العام الحالي، مؤشراً رمزياً لتحولٍ هيكلي داخل الرأسمالية، سمته الرئيسية مركزية الأوليغارشية التكنولوجية.
رأسمالية الدولة الجديدة
يظهر جلياً في سياسات ترامب أن رأسمالية الدولة الجديدة لا تشكل شذوذاً أو نفياً للرأسمالية الحقيقية. (أ ف ب)
Smaller Bigger

شكلت عودة دونالد ترامب إلى السلطة مطلع العام الحالي، مؤشراً رمزياً لتحولٍ هيكلي داخل الرأسمالية، سمته الرئيسية مركزية الأوليغارشية التكنولوجية. وهذا التحول جعل الاهتمام بعودة جهاز الدولة بقوة إلى الاقتصاد قليلاً وغير مرئي، مع أن اندماج السياسي بالاقتصادي في نموذج ترامب يبدو واضحاً، إلى درجةٍ أنه صار مؤثراً في العلاقات الخارجية الأميركية بالأعداء والحلفاء. وفي المقابل تعمل ديناميكية عالمية في هذا المناخ على إعادة دور الدولة، ليس فقط كمخططٍ ومشرف، بل كمالكٍ مباشر لرأس المال، في ما بات يعرف بـ"رأسمالية الدولة الجديدة".

ورغم أن الدولة شرقاً وغرباً، لم تنفض يدها يوماً من الثروة، إدارةً وملكيةً وتخطيطاً، إلا أن دورها قد تقلص إلى حدودٍ كبيرةٍ خلال الفترة النيولبيرالية منذ نهاية السبعينات، وتعمق ذلك بداية من التسعينات عقب سقوط المعسكر الاشتراكي وانطلاق موجة العولمة. ومع ذلك ظلت دائماً تملك دوراً في الاقتصاد، حتى في الدول الأشد رأسماليةً.

في كتابهما "شبح رأسمالية الدولة" (أوكسفورد 2024)، يفسر إلياس العلمي وآدم ديكسون، ما يعنيه الخبراء بـ"رأسمالية الدولة الجديدة" أنها ظاهرتان رئيسيتان، الأولى هي التزاوج الهجين بين الدولة ورأس المال، في ظل الشركات المملوكة للدولة، وصناديق الثروة السيادية، والبنوك السياسية، والبنوك المركزية. أما الثانية فهي أشكال توظيف قوة الدولة في الاقتصاد، مثل السياسة التقنية الصناعية، والقومية الاقتصادية، والقيود التجارية، والتخطيط المكاني.

وكما يظهر جلياً في سياسات ترامب في الولايات المتحدة أو مودي في الهند أو حتى السياسات الاقتصادية للصين، لا تشكل رأسمالية الدولة الجديدة شذوذاً أو نفياً للرأسمالية الحقيقية، التي تفترض سقوط القيود، بل هي إمكان كامن في جوهر الدولة الرأسمالية. فالدولة الرأسمالية، بطبيعتها، هي الشكل السياسي للعلاقات الاجتماعية المتعارضة، ومهمتها تأمين شروط تراكم رأس المال. وهذا الدور ليس ثابتًا، بل هو محدد تاريخياً وجغرافياً، ويتطور باستمرار للتغلب على عقبات التراكم. لذا، فإن التوسع الهائل في ملكية الدولة وتدخلها الذي نشهده اليوم ليس قطيعة مع الرأسمالية، بل هو تحقيق معاصر لوظائف الدولة الجوهرية استجابةً لأزمات وتحولات عالمية في سياقٍ محدد.

وبالعودة إلى الأوليغارشية التكنولوجية، يبدو أن الأتمتة والروبوتية ورقمنة الصناعات وتعقيد تقسيمات العمل العالمي، قد أدت إلى تحول في مركز ثقل الإنتاج الدولي من الغرب إلى أقصى الشرق. فضلاً عن مسار توسع الإنتاج مدفوعاً بالابتكار التكنولوجي والتكامل العالمي، الذي أدى إلى أزمة فائض، جعلت الأسواق مشبعة، ورفعت مستوى المنافسة، في مقابل تراجع مستوى الربحية. خلقت هاتان العمليتان المترابطتان مجموعة من الضرورات للدول، جعلتها تتعامل مع عالم يشهد منافسة محتدمة، وتحتاج قوة فوق اقتصادية، سياسية وتشريعية وحتى عسكرية، في سبيل البقاء.

لذلك، فإن تداعيات هذا التحول الهيكلي في طبيعة الدولة والرأسمالية معاً، فضلاً عن كونها تعلن نهاية عصر النيولبيرالية، وفكرة ترك الأسواق وشأنها، فإنها ستخلق عالماً مُنقسماً بشكل متزايد إلى كتل اقتصادية مُتنافسة، يمكن أن تصل حدة تنافسها إلى درجة تسليح الاقتصاد كتوسيع مجال العقوبات، وضوابط التصدير. وكذلك إطلاق الحروب التقليدية وغير التقليدية، وتنمية نزعات الافتراس، كالتي يعبر عنها ترامب حيال غرينلاند وكندا وفنزويلا.