سوسيوباثيون من حولنا

كتاب النهار 20-09-2025 | 06:12
سوسيوباثيون من حولنا
الأجهزة الذكية أظهرت جانباً شديد القبح في شخصيات وسلوكيات الكثيرين منا؛ إنه الجانب الذي لا يراعي الآخرين في الحقيقة، ولا يقيم لهم وزناً، ولا يتحرج أو يفكّر قبل سحق راحتهم...
سوسيوباثيون من حولنا
مدى استعداد المرء لتشغيل الأصوات من هاتفه الذكي بدرجة صاخبة يجب أن يُضم إلى مؤشرات قياس السوسيوباثية. (أ ف ب)
Smaller Bigger

تجلس في غرفة انتظار طبيب الأسنان مترقباً جلسة التعذيب المجدولة، فإذ بمن يتطوّع باختصار الطريق عليك، فهو يجلس بمحاذاتك، ويشغّل في هاتفه الذكي، وبصوت مجلجل، مقاطع الفيديو الكوميدية بمؤثراتها الصوتية المستفزّة، وأصوات ضحكاتها المعلّبة. تمر بعد ذلك بمكتب البريد لإرسال طرودك، فيستقبلك شخص من نفس "الفصيلة"، ليشغل في هاتفه الذكي، وبصوت أعلى، خطبة عصماء -مثلاً- لعبد الباري عطوان عن "انتصاراتنا" العظيمة. تذهب بعد ذلك للتبضع، فإذ بعامل الصندوق في المتجر مثلهما؛ فهو يخدمك ريثما يشغّل من هاتفه الذكي، وبصوت أعلى وأعلى، مباراة حماسية لكرة القدم. ثم تلجأ إلى المقهى للاسترخاء بعد يوم طويل من "حرق" الضوضاء لأعصابك، فإذ بجارك يجري على هاتفه الذكي، وبصوت يخترق طبقة الأوزون، محادثة بخاصية الفيديو.

والحل قد يبدو بديهياً: أن نتسلّح بسماعات الآذان ضد هذه الفصيلة المشكوك في بشريّتها، ونصمّ حواسنا عن إزعاجهم.

ولكن الظاهرة المقلقة أعقد من مجرد فرض أحدهم لنا على الاستماع لأغنياته المفضلة رغماً عنا في وسائل النقل العام، إذ يصر على تشغيلها بدرجة صاخبة من هاتفه الذكي، ضارباً عرض الحائط برغباتنا وذائقتنا وأمزجتنا، ومدى تقبّلنا لحشرجات "حمو بيكا".

أقولها، ودون مبالغة، بأن هذه الأجهزة الذكية أظهرت جانباً شديد القبح في شخصيات وسلوكيات الكثيرين منا؛ جانباً يصدمني باستمرار ويحبطني. إنه الجانب الذي لا يراعي الآخرين في الحقيقة، ولا يقيم لهم وزناً، ولا يتحرج أو يفكّر قبل سحق راحتهم وطمأنينتهم وإرادتهم في دربه. إنه لا يراعي حاجتهم إلى الهدوء والاختلاء بهواجسهم، أو إلى التركيز على الكتاب أو المادة الدراسية التي بين أيديهم، أو إلى التحدث مع المحيطين بهم دون الاضطرار إلى الصراخ. والأهم أنه جانب لا يحترم ولا يعترف بحرية الآخرين المكفولة في ألا يستهلكوا المحتوى الذي نستهلكه، وفي الوقت الذي نختاره لهم، وبدرجة الـ "ديسيبل" التي نقررها. كشفت هذه الأجهزة الذكية بمكبّرات صوتها القوية جانباً أنانياً متغطرساً في أغلبنا، يستطيع إرغام شارع بأكمله على الاستماع إلى مكالمة هاتفية لا تعنيه، أو مجاراة خوارزميتنا الخاصة في "تيك توك".

تصدح هواتفنا الذكية بأصواتها المنكرة، فإذ بالمرء منا يجسّد قول الشاعر ناصر الفراعنة "الأرض أرضي والزمان زمانيه". نعم، فنحن "نأسر" في ضجيجنا كل من هم في محيط نرجسيتنا، ونتركهم -مثل طيور عاجزة منتوفة الريش- في أقفاص ضوضائنا، بل إننا نرمي بالكرة في ملعبهم، فهم الملزمون بتفادي إزعاجنا بوضع سماعات الآذان، أو بمغادرة المكان، أو ليتحمّلوا صفاقتنا.

وليسمح لي علماء النفس، ولكني سأحاجج بأن مدى استعداد المرء لتشغيل الأصوات من هاتفه الذكي بدرجة صاخبة يجب أن يُضم إلى مؤشرات قياس السوسيوباثية، أفليس "النقص العميق في التعاطف مع الآخرين"، و"عدم مراعاة حقوقهم ومشاعرهم"، من أبرز علامات الاضطراب؟ وبربكم، أليس ذلك ما بتنا نراه، أو -بالأحرى، نسمعه- بوتيرة يومية مستنزفة؟