.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
أخطر ما في هذا الهجوم الإسرائيلي على الدوحة، أنه يهدد النموذج القطري نفسه: نموذج الدولة الصغيرة التي تتقن فن التوازن بين القوى الكبرى، وتستثمر في التناقضات بدلاً من أن تتجنبها.
لطالما كانت قطر إمارة التناقضات المذهلة، تلك الدولة الخليجية الصغيرة التي نجحت في أن تكون أكبر من جغرافيتها، وأعمق من مواردها، وأكثر تأثيراً من حجمها السكاني.
في قلب العواصف الإقليمية، وقفت الدوحة كمنصة تجمع المتناقضات: تستضيف أكبر قاعدة أميركية في الشرق الأوسط، وتفتح أبوابها لقيادات التنظيمات "الأنتي أميركية"، ولا سيما الإسلامية منها، وتدير واحدة من أكثر شبكات الإعلام تأثيراً في العالم العربي، بينما تحافظ على علاقات ديبلوماسية مع أطراف متصارعة لا تجتمع إلا في خريطة النفوذ القطري.
الهجوم الإسرائيلي الأخير على قيادة "حماس" في الدوحة، بغض النظر عن نجاحه أو فشله في تحقيق الهدف المباشر، لا يمكن قراءته فقط كعملية أمنية أو عسكرية، بل هو محاولة لاغتيال تلك "الدهشة الجيوسياسية" التي صنعتها قطر على مدى عقدين. فاستهداف "حماس" في قلب العاصمة القطرية، لا يضرب "ملاذ" الحركة الآمن فحسب، بل يضرب أيضاً قدرة قطر على لعب دور الوسيط، والمضيف، والموازن، والمشاكس في آن.
لكن هذا الهجوم لا يأتي من فراغ. فمنذ السابع من أكتوبر، ومع اندلاع الحرب على غزة، بدأ اليمين الإسرائيلي حملة منظمة ضد قطر، متهماً إياها بدعم "الإرهاب" واحتضان قيادات "حماس"، بل وصل الأمر إلى المطالبة العلنية بفرض عقوبات عليها. الهجوم الأخير يبدو كأنه ترجمة ميدانية لهذا الخطاب التحريضي، ومحاولة لمحاكاة تلك التعبئة السياسية والإعلامية التي روّجت مبكراً لفكرة أن قطر يجب أن تُحاسب على دورها.
إلّا أنّ هذا التحريض الإسرائيلي على قطر، طالما اصطدم بالخط الأحمر المرسوم حول الإمارة الخليجية التي تقع في قلب منطقة "اتفاقيات إبراهيم"، وتعتبرها الولايات المتحدة الأميركية نقطة ارتكاز لها في الشرق الأوسط، حيث تقيم قناة خلفية للتواصل مع غالبية التنظيمات التي تدرجها على لوائح الإرهاب.
ولكنّ ثمة شيئاً تغيّر، حتى في نظرة صنّاع القرار الأميركي إلى قطر ودورها. بدت الإمارة التي تربط بها بصورة وثيقة كل تنظيمات الإسلام السياسي، أقرب إلى "حماس" منها إلى الرغبة الجامحة لدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الطامح إلى تحقيق هدف مهم في "صناعة السلام". كانت تتيح لقيادة "حماس" أن تناور في المفاوضات وأن تكسب مزيداً من الوقت!