"إسرائيل الكبرى" تضرب في الدّوحة أيضاً

كتاب النهار 12-09-2025 | 04:05
"إسرائيل الكبرى" تضرب في الدّوحة أيضاً

محاولة الاغتيال في الدوحة، بشكل أكثر تحديداً، هي بمثابة رسالة واضحة من إسرائيل، تفيد بأنها لا تقبل بأقل من سحق كامل لحركة "حماس"، ولمجمل الفلسطينيين في قطاع غزة، وترويع الفلسطينيين، من النهر إلى البحر، بمثال غزة.

"إسرائيل الكبرى" تضرب في الدّوحة أيضاً
من الضربات الإسرائيلية على الدوحة (أ ف ب)
Smaller Bigger

مجدداً أكدت إسرائيل، في العملية العسكرية الكبيرة التي حاولت فيها اغتيال قيادة "حماس" في قطر، أنها مصرة على استمرار حرب الإبادة الجماعية الوحشية التي تشنها منذ عامين ضد فلسطينيي غزة، وضد قيادات الفصائل الفلسطينية، بخاصة قيادة حركة "حماس"، بمبناها السياسي والعسكري، في رسالة تفيد بأنها تقطع مع أي عملية مفاوضات، أو تسويات، أو توسّطات، سواء كانت تجري في الدوحة أو في القاهرة، أو في أي مكان آخر، وبغض النظر عن صفة الوسطاء.

بيد أن هذه العملية تفيد، أيضاً، بأن إسرائيل مصرة على استمرار تلك الحرب حتى النهاية، ليس نهاية حركة "حماس" فقط، بل نهاية قطاع غزة بمجمله، أيضاً، جغرافياً وسياسياً، بفصله عن الضفة تماماً، وعمرانياً، بتدمير معالمه وبناه التحتية، وبشرياً بالتخفّف من أكبر كتلة من السكان فيه، بإجلائهم بطريقة أو بأخرى، ما يؤدي إلى تحويله إلى منطقة دولية، كريفييرا، في الشرق الأوسط، بحسب المشاريع الإسرائيلية والأميركية التي باتت تُطرح في العلن.

ومعلوم أن ذلك طُرح مؤخراً في اجتماع خاص في البيت الأبيض الأميركي، بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومشاركة طوني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، والملياردير جاريد كوشنر صهر الرئيس ترامب، وستيف ويتكوف العقاري والوسيط في المنطقة، بحضور رون ديرمر مبعوث نتنياهو ووزير الشؤون الاستراتيجية في حكومة إسرائيل.

مشكلة قيادة حركة "حماس" أن الأمور خرجت عن سيطرتها، منذ زمن طويل، بسبب ردة فعل إسرائيل الوحشية، والمهولة، إذ انتقلت المبادرة، بعد يوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى يد إسرائيل التي باتت تقصف وتدمر وتعتقل وتجوّع فلسطينيي غزة، من دون أن تجدي المراهنات الهشّة لقياديي "حماس" على الضغط الذي افترض بالمعارضة الإسرائيلية، سواء الحزبية، أو العسكرية، بذله ضد حكومة نتنياهو، إذ انحسرت تلك المعارضة كثيراً، لمصلحة نتنياهو الذي استطاع شد عصبية معظم المجتمع الإسرائيلي، لمصلحة التمحور حول مواجهة ما رُوّج لاعتباره بمثابة خطر وجودي يتهدد إسرائيل.

أيضاً لم تجد مراهنة "حماس" على التظاهرات في المدن الإسرائيلية التي لا تزال تجري بغرض الضغط على حكومة نتنياهو، من أجل عقد هدنة تفضي إلى تخليص الأسرى أو المحتجزين الإسرائيليين الباقين في غزة (حوالي 50، بين أحياء وموتى)، وبعدها فليفعل الجيش الإسرائيلي ما يشاء بغزة وبالفلسطينيين فيها.

وبالمثل فإن مراهنة تلك الحركة على خلاف أميركي ـ إسرائيلي، بدا أنه يلوح عبر حركات أو تلاعبات المفاوضين، أو الوسطاء الأميركيين، ثبت أنه أمر شكلي، أو مفتعل، لمجرد المناورة، إذ من الواضح أن الرئيس الذي يتعامل مع قطاع غزة كقطعة عقارية، والذي طرح فكرة نقل الفلسطينيين من غزة إلى مكان آخر في العالم، والذي يخطط لريفييرا فيها، غير معني بتسوية مع الفلسطينيين.

ومعلوم أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان قد أدار دفة السياسة الأميركية إزاء الفلسطينيين بالضد من حقوقهم، وبالضد من الاتفاقيات الموقعة من قبل الرؤساء السابقين معهم، منذ ولايته الأولى السابقة (2017 ـ 2021)، في إغلاقه مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وإدارته الظهر لاتفاق أوسلو، وإقراره بشرعية الاستيطان في الضفة الغربية، ووقف دعم منظمة الأونروا، والسلطة الفلسطينية، وها هو يقدم الدعم اللامحدود لحرب الإبادة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، سياسياً وعسكرياً ومالياً وتكنولوجياً واستخباراتياً، وهو يحاول الضغط على الدول التي تتجه للاعتراف بمشروعية الدولة الفلسطينية، ويمنع تأشيرة الدخول للولايات المتحدة للوفد الفلسطيني الذي يُفترض أن يشارك في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.

على ذلك، فإن محاولة الاغتيال في الدوحة، بشكل أكثر تحديداً، هي بمثابة رسالة واضحة من إسرائيل، تفيد بأنها لا تقبل بأقل من سحق كامل لحركة "حماس"، ولمجمل الفلسطينيين في قطاع غزة، وترويع الفلسطينيين، من النهر إلى البحر، بمثال غزة. وهي رسالة تفيد، أيضاً، بأن إسرائيل لن توقف هذه الحرب الوحشية حتى نزع السلاح من غزة، وكسر "حماس" وإخراجها من المعادلات السياسية الفلسطينية، وتالياً فرض هندسة جديدة، سياسية وجغرافية وديموغرافية وأمنية في مجمل قطاع غزة، تحت سيطرتها، حتى لو كانت تحمل تلاوين مختلفة، بمدخلات فلسطينية، أو إقليمية، أو دولية.

على صعيد آخر، فإن إسرائيل، عبر تلك العملية غير المسبوقة في قطر، تريد أن تقول إنها باتت في وضعية لا تتسامح بها مع أي خطر يتهددها، وإنها معنية بمجال أمني استراتيجي يمتد إلى أعماق الدول المجاورة، وما بعدها، مثل إيران، وقطر، وأي دولة أخرى، فهذا هو المعنى، أو التمثل العملي لفكرة الانتقال من "إسرائيل الصغرى" إلى "إسرائيل الكبرى".