.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
تتسارع الحوادث في العراق ولا تتوقف عند مستوى معين، لكن أخطرها ما يرتبط بالانهيار، وقد يكون سقوط جسر قيد الإنشاء في إحدى المحافظات العراقية، وما صاحبه من سقوط ضحايا، تزامن مع موجة انتقادات ومخاوف ورد فعل حكومي تمثل بتشكيل لجنة للتحقيق في ملابسات الانهيار، والتي أرجعها أحد المسؤولين إلى سوء التنفيذ وانعدام الجودة في المشاريع وسوء اختيار الشركات وضعف دوائر الإشراف على العمل، ليطلق الحادث التكهنات الى حين ظهور نتائج التحقيق ومدى الضرر والتقصير... إن ظهرت.
العراق كدولة، ومن خلال السياسات العامة له، تعد جسوراً لضمان المصالح العليا للبلاد وتكون كذلك الركيزة للتواصل والثقة مع الآخر "المواطن"، وهذا ما تترجمه السلطات والمؤسسات والأحزاب عبر أداء سياسي - إداري لقيام علاقة ناجحة بين الدولة والمجتمع. غير أن ما يجري منذ سنوات لا يؤشر إلى ذلك، فالثقة بالآليات الديموقراطية تراجعت بشكل كبير، والانتخابات التي تعد جوهر النظام، لم تعد جسراً لمنح الثقة لأي عملية سياسية، فنسبة المقاطعة التي وصلت إلى قرابة 80%، مع وجود دعوات حالية الى مقاطعة الانتخابات المقرر إجراؤها في تشرين الثاني/نوفمبر من هذا العام، مؤشر واضح إلى اتساع الفجوة والتي لم تستطع الطبقة السياسية تقليصها بعد تسع تجارب انتخابية برلمانية ومحلية، كان يفترض أنها عملت على توثيق الارتباط بين الفرد والنظام السياسي؛ والأمر يمتد كذلك بوجود برلمان شبه معطل وانعدام الخدمات، وعدم القدرة على مكافحة الفساد وتحوله منظومة تسيطر على المؤسسات، وتأسيس الكيانات المسلحة لدولة رديفة شبه رسمية، والتضييق على الرأي والحريات والمشاركة السياسية، فضلاً عن أن انقطاع جسر الثقة بين النخب الوطنية المستقلة وبين الفاعلين السياسيين "حكومات وبرلمانات" والذي يمثل أحد أشكال التواصل مع المواطنين... أخذ يسير في اتجاهات أخرى غير تلك المفترضة، مما يظهر احتمالية متصاعدة للحظة انهيار أهم الجسور الداخلية التي تعزز الثقة بالنظام وتحافظ على الاستقرار وأسس الحكم وتجعله قادراً على مواجهة الأزمات والتحديات.
خارجياً، تبدو جسور العراق مهددة أيضاً بالانهيار، فالولايات المتحدة الأميركية الراعية للنظام والحليفة وفق اتفاقية الإطار الاستراتيجي، بدت أكثر مللاً في زمن رئيسها ترامب من استمرار العلاقة مع بغداد، فانسحاب قواتها من قواعدها بقرار مفاجئ لحكومة السوداني، مع عدم تسمية سفير لها في بعثتها الديبلوماسية لما يزيد عن عام، فضلاً عن عدم وجود تواصل مباشر موثوق بين البيت الأبيض والقصر الحكومي رغم رغبة الأخير في ذلك، مع عدم تنفيذ الاشتراطات بتفكيك سلاح الميليشيات وفك الارتباط مع إيران، مؤشرات إلى احتمال خسارة النافذة الأميركية التي مكنت العراق من ترتيب علاقاته الخارجية أو حتى حمايته من عقوبات دولية، ومن ضربات إسرائيلية محتملة، وحماية العملية السياسية من السقوط، وتعاون أمني سواء بشكل مباشر أو من خلال التحالف الدولي الذي أنهى مهماته بمحاربة الإرهاب، وإلى أن هذه النافذة في طريقها للإغلاق، وما يترتب عن ذلك من عزلة دولية أيضاً، خصوصاً أن بقاء الكثير من البعثات الديبلوماسية مرتبط بالوجود الأميركي في العراق.
إن خسارة الأرواح في حوادث سقوط الجسور، نتيجة أخطاء فنية أو فساد أو تخادم، يمكن محاسبة المتورطين فيها وفق القانون العراقي، غير أن الإمعان من السلطات أو الأحزاب باستكمال البيئة والأدوات والسياسات العشوائية لهدم ما تبقى من مسارات التواصل للدولة، يعد خطيئة يمكن أن تصنف جريمة كبرى، فهي لا ترتبط بحقوق فرد دون غيره، بل بسياق نسف المصلحة العامة للبلاد ونهاية للتفاعل الإيجابي من المجتمع ونهاية هامش الثقة المحدودة التي أخذت تتناقص بالنظام والديموقراطية والطبقة السياسية.