"لجام مصر"... هل بات "سد النهضة" أداة لإكراه القاهرة على قبول التهجير؟!

كتاب النهار 10-09-2025 | 04:40
"لجام مصر"... هل بات "سد النهضة" أداة لإكراه القاهرة على قبول التهجير؟!

هل يعدّ سد النهضة ورقة ضغط جديدة اتساقاً مع ما ذكره السيسي بأن ملف المياه "جزء من حملة الضغوط على مصر لتحقيق أهداف أخرى"؟

"لجام مصر"... هل بات "سد النهضة" أداة لإكراه القاهرة على قبول التهجير؟!
سد النهضة "سياسي لا تنموي"؟ (أ ف ب)
Smaller Bigger

تحتفل إثيوبيا رسمياً بافتتاح سد النهضة، من دون اتفاق مع مصر والسودان، في خطوة تجعل من السدّ محركاً للخلافات، وتعيد هيكلة التوازنات الجيوسياسية في حوض النيل والقرن الأفريقي، حيث تلتقي حسابات دولية بالغة التعقيد والخطورة. بات السد مرآة لهندسة استراتيجية واسعة، في الإقليم، فإمّا اجتراح توازن جديد، وإما الانزلاق إلى صراعات مزمنة.

تخطو أديس أبابا "أحادياً"، في أزمة السد، سلوكاً يمكن تفسيره بالعودة إلى نظرية "بروتوكول النقر" التي صاغها عالم الاجتماع ثورليف شيلدر، لوصف نوازع الهيمنة في مجتمع الدواجن. يقوم الدجاج الأكبر والأقوى بنقر الدجاج الأصغر والأضعف منه، من دون رد فعل، وهذا الأخير يقوم بتكرار "النقر" مع دجاج آخر أكثر ضعفاً، وهكذا، تتبع إثيوبيا (من دول المنابع) سلوك النقر (السبق باستغلال المياه)، تجاه دولتي المصبّ السودان ومصر، من دون أن تخشى الضرر من رد الفعل، بالنظر إلى موقعها المتقدّم.

و"النقر" إذا كان "آمناً" في حظيرة الدواجن، فإنه "كارثي" في علاقات الدول؛ قضت مصر والسودان وإثيوبيا 14 عاماً في مفاوضات عبثية بلا طائل بشأن السدّ. لم تترجم بنود إعلان المبادئ عام 2015 إلى اتفاق ملزم. لذلك شدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على أن بلاده لن تغضّ الطرف عن حقوقها المائية في النيل، وهي ترفض الإجراءات الأحادية في حوض النيل الشرقي، لافتاً إلى أن حصة مصر والسودان 85 مليار متر، وتشكّل 4% من إجمالي مياه حوض النيل البالغة 1600 مليار متر؛ ولو تخلّينا عن جزء منها فهذا يعني أننا نتخلى عن حياتنا!

تعتمد مصر على النيل لتلبية 98 في المئة من احتياجاتها، وهي تقع تحت خط الفقر المائي. بالتالي، يهدّد سد النهضة مفاهيم الأمن القومي المصري جميعاً؛ السد رافعة لتحولات جيوسياسية تعيد توزيع السلطة، وتطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الاستقرار في حوض النيل. وأمام الرغبة الإثيوبية في الهيمنة على النهر، صرح وزيرا الخارجية والري بأن مصر ستتخذ التدابير المكفولة لها بموجب القانون الدولي لحماية المقدرات الوجودية لشعبها، وأن الترويج لاكتمال السد، من دون التوصل إلى اتفاق ملزم مع مصر والسودان، انتهاك صارخ لمبادئ القانون الدولي؛ فالبقاء ليس مسألة اختيار، بل ضرورة تمليها الطبيعة. في المقابل، قال آبي أحمد رئيس وزراء إثيوبيا إن السد لا يهدد أحداً، وإنه مجرد بداية ستتبعه سدود أخرى.

لا يمكن البراعة الإثيوبية في ادعاء المظلومية، إلى درجة إعادة تركيب التاريخ بما يتوافق مع أغراضها، أن تدوس القوانين الدولية للأنهار، وتضرب عرض الحائط بالعلاقات الأزلية بين شعوب النيل. حوّل قادة إثيوبيا السد قضية شعبوية، وكأن مصر عدو أبدي، وقد جاءت الفرصة لجعله يدفع الثمن فادحاً، مرة وإلى الأبد. وبرغم التفاهم أخيراً بين القاهرة والخرطوم إزاء السد، فإن "الوثيقة السرية" المسربة حول الاتفاق الثنائي بين السودان وإثيوبيا بشأن تشغيل السد قد تترك مصر في مأزق شديد الحرج.

تريد أديس أبابا أن تصبح "بنك المياه"، بدعم من قوى إقليمية ودولية، تموّل وتساند، لتكون مياه النيل وسيلة ضغط على القاهرة. قال خبير المياه الإسرائيلي أولي لوبراني، في الثمانينيات: إن مياه النيل ستكون "لجام مصر"، عند تنصّلها من اتفاقية "كامب ديفيد". المفاجأة أن دراسة أجراها أسفاو بيني، أستاذ الهندسة الميكانيكية بجامعة سان دييغو الأميركية، أكّدت أنّ السدّ "فاشل" في توليد الطاقة. قياساً إلى حجمه وتكلفته، يولّد ألفي ميغاوات لا ستة آلاف. وطالبت (الدراسة) بتصغير حجمه، لأنه "سدّ سياسي" لا تنمويّ، للتخزين لا للتوليد. حتى اليوم لم تنفذ إثيوبيا دراسات أمان السدّ، ويتوقع أن تستمر بملء السد وتشغيله بصورة أحادية، بينما تصعد مصر والسودان من ضغوطهما السياسية، مع احتمال اللجوء إلى أدوات ردع غير مباشرة.

وقد التفت العالم أخيراً إلى أزمة السدّ، خاصة أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب كرّر تصريحاته عن السد الإثيوبي الذي "يعوق تدفّق مياه نهر النيل" إلى مصر، وأنه لا حياة لمصر من دون مياه النهر، معرباً عن رغبته في "حل الأزمة سريعاً". توقيت ودلالات الطرح الأميركي في شأن السدّ أثارت علامات استفهام، خاصة أن واشنطن تدخّلت في ولاية ترامب الأولى لحلّ الأزمة، من دون نجاح يذكر، كما أن العلاقات المصرية – الأميركية ليست في أحسن حالاتها، إثر التباين في الرؤى والمواقف ضمن عدد من الملفات المتفجّرة في الإقليم، بخاصة الحرب في غزة ومشروع "التهجير"، الذي طرحه ترامب وتتمسك به إسرائيل، وترفضه مصر لتهديده "أمنها القومي"، فهل يعدّ سدّ النهضة ورقة ضغط جديدة اتساقاً مع ما ذكره السيسي بأن ملف المياه "جزء من حملة الضغوط على مصر لتحقيق أهداف أخرى"؟

المؤكد أن أحداً من أبناء النيل لا يريد صراعات، و"بروتوكول النقر" ليس حلاً، فالحلّ بسيط: الحياة لمصر والسودان، والتنمية لإثيوبيا، غير ذلك ربما تنفتح أبواب الجحيم!