غزة: من نزع السلاح إلى نزع السكان

كتاب النهار 09-09-2025 | 04:02
غزة: من نزع السلاح إلى نزع السكان
تتحوّل غزة إلى مختبر لتجربة احتلال جديد، والمرحلة المقبلة ستكون حاسمة؛ فإما أن تنجح مصر، بدعم عربي وإقليمي، في تثبيت معادلة ترفض التهجير وتُبقي على الحد الأدنى من مقومات الدولة الفلسطينية، وإما أن تفرض إسرائيل واقعاً جديداً، يُغلف بمساعدات إنسانية ومشاريع إعمار، لكنه في جوهره تفريغ سياسي وبشري لأرض تقاوم منذ عقود. 
غزة: من نزع السلاح إلى نزع السكان
تتفاقم الأزمة الإنسانية عند الحدود المصرية. (أ ف ب)
Smaller Bigger

تبدو القضية الفلسطينية اليوم في لحظة سياسية مفصلية، تتكشف فيها خيوط خطة إسرائيلية مرسومة بعناية، تستهدف تفريغ قطاع غزة من سكانه، لا عبر الاجتياح المباشر وحده، بل من خلال هندسة ديموغرافية وأمنية شديدة التعقيد.

في هذا السياق، لا يمكن فصل تصريحات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، التي قال فيها إن "الإسرائيليين وافقوا على شروطه وحان الآن دور حماس"، وإنه "حذّر الحركة بشأن تبعات رفض الصفقة، وهذا تحذيره الأخير"، عن هذه الخطة الممنهجة، خصوصاً أنها تتزامن مع تصعيد غير مسبوق في الخطاب والممارسة الإسرائيلية تجاه غزة. وبينما تدفع تل أبيب بفكرة "الخروج الطوعي"، تجد القاهرة نفسها في قلب عاصفة سياسية وإنسانية، تواجه فيها معادلة شبه مستحيلة: حماية أمنها القومي ومنع تهجير الفلسطينيين، وفي الوقت نفسه تحمل أعباء كارثة إنسانية متفاقمة على حدودها.

وكشفت التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشكل صريح عن هذا التوجه، حين قال: "علينا أن نتيح لأولئك الذين يريدون المغادرة أن يغادروا… لا يمكن أن نترك غزة كما كانت". وهذا التصريح لا يُمثّل مجرد موقف سياسي، بل يعكس تحوّلاً جوهرياً في الاستراتيجية الإسرائيلية، يقوم على إعادة تشكيل الواقع في غزة ديموغرافياً وجغرافياً، فجاء الرد المصري حاسماً على هذا الطرح، إذ وصف وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي هذه الفكرة بأنها "هراء كامل"، مؤكداً أن "الجوع والقتل والحصار لا يمكن أن يكونوا خياراً طوعياً"، ومشدداً على أن أي محاولة لتهجير الفلسطينيين، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي. ومصر لن تقبل أن تكون طرفاً أو وسيطاً في خطة كهذه.

الموقف المصري المعقّد ينبع من تقاطع عوامل الأمن القومي والضغوط الإنسانية والسياسية. فمن جهة، تقع على مصر مسؤولية التعامل مع الأزمة الإنسانية في غزة بصفتها الجار المباشر وصاحبة السيطرة على معبر رفح، لكنها في المقابل تواجه ضغوطاً دولية متزايدة لفتح الحدود أمام موجات لجوء فلسطيني جماعية، وهو ما تعتبره القاهرة خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، بالنظر إلى تداعياته الاستراتيجية بعيدة المدى؛ ففتح الحدود، ولو تحت عنوان "الإغاثة"، سيتحوّل مع الوقت إلى أمر واقع دائم، ما يُعد عملياً مساهمة في تصفية القضية الفلسطينية، وتحويل غزة من أرض مقاومة إلى عبء إنساني موزّع على دول الجوار، وهو ما تدركه القيادة المصرية جيداً وترفضه بشكل قاطع.

ومنذ بداية العام، أظهرت إسرائيل أنها تتعامل مع كافة جولات التفاوض، بوصفها أدوات للمناورة وكسب الوقت، دون نية حقيقية للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار أو لحل سياسي شامل، واستخدمت هذا الوقت لفرض واقع عسكري جديد، يعزز من سيطرتها على أجزاء واسعة من القطاع، ويمهد الطريق أمام مشاريع أمنية وسياسية تهدف إلى إعادة صياغة غزة بما يتماشى مع الرؤية الإسرائيلية طويلة الأمد؛ وضمن هذه الرؤية، أتى الحديث عن مشروع "ريفييرا غزة"، وهو تصور مخادع يعِد بتحويل شواطئ غزة إلى منتجعات سياحية واستثمارات أجنبية، بعد "تفريغها" من سكانها تدريجياً، إما بالقتل أو الترهيب، أو الإغراء، أو عبر استمرار الحصار الخانق.

في مواجهة هذه الوقائع، تحاول القاهرة الدفع باتجاه موقف عربي موحد يرفض التهجير ويطرح حلولاً لإعادة الإعمار تحفظ وحدة القطاع واستقلاله، من دون الانجرار نحو التطبيع المجاني أو التبعية السياسية. لكن في المقابل، تمضي إسرائيل في تنفيذ خطتها بخطوات محسوبة: أولاً، خلق بيئة إنسانية غير قابلة للحياة من خلال التدمير المنهجي للبنية التحتية، وثانياً، تقديم خيار الخروج كطوق نجاة وحيد، وثالثاً، تقسيم القطاع إلى مربعات أمنية يسهل التحكم بها بعد تقليص الكتلة السكانية إلى حدها الأدنى. وما تسعى إليه تل أبيب يتجاوز "نزع السلاح" إلى "نزع السكان"، أو على الأقل تفريغ غزة من الكتلة البشرية المقاومة، والإبقاء على عدد محدود يمكن التحكم به أمنياً.

بهذا الشكل، تتحوّل غزة إلى مختبر لتجربة احتلال جديد، والمرحلة المقبلة ستكون حاسمة، فإما أن تنجح مصر، بدعم عربي وإقليمي، في تثبيت معادلة ترفض التهجير وتُبقي على الحد الأدنى من مقومات الدولة الفلسطينية، وإما أن تفرض إسرائيل واقعاً جديداً، يُغلف بمساعدات إنسانية ومشاريع إعمار، لكنه في جوهره تفريغ سياسي وبشري لأرض تقاوم منذ عقود. وبين هذا وذاك، تبقى القاهرة في قلب العاصفة، تتحمل عبء القرار ومخاطر التبعات، في لحظة دقيقة يتقاطع فيها التاريخ مع الجغرافيا، والموقف السياسي مع ضمير الأمة.