من المسؤول عن مشكلات الجالية الجزائرية في فرنسا؟

كتاب النهار 26-08-2025 | 04:40
من المسؤول عن مشكلات الجالية الجزائرية في فرنسا؟

لهذه المشكلة أيضاً أسباب سلبية يمكن تلخيصها بسرعة بانعدام أرضية مشتركة بين نخب هذه الجالية الجزائرية المقيمة في فرنسا وفي دول أوروبية مجاورة أخرى.

من المسؤول عن مشكلات الجالية الجزائرية في فرنسا؟
لم يتمكن الفرنسيون من أصول جزائرية من بناء لوبي حقيقي مؤثر.
Smaller Bigger

لماذا لم يفتح المسؤولون الجزائريون ملف الجالية الجزائرية في فرنسا، لدراسته على مستوى الحكومة والبرلمان بغرفتيه والأحزاب وجمعيات المجتمع المدني وبإشراك ممثلي الجاليات الجزائرية في أوروبا والمنظمات الجماهيرية مثل اتحادات الشباب، والعمال، والنساء، والفلاحين وهلم جرّا؟ ولماذا لم تتراجع الرئاسة الجزائرية عن قرار منع كافة المهاجرين الجزائريين ذوي الجنسية المزدوجة من حقهم الوطني في الوصول إلى المناصب العليا في وطنهم الأصلي الجزائر؟

يبدو واضحاً أن الحوار الذي أجرته، يوم الإثنين الماضي، صحيفة "الشروق اليومي" الجزائرية، التابعة للقطاع الخاص، مع رفيق تمغاري نائب رئيس "حلقة الأمير عبد القادر" التي تأسست في فرنسا، قد تجنّب الخوض في مثل هذه القضايا، وفي الأسباب الحقيقية الأخرى التي حرمت الجالية الجزائرية المقيمة في فرنسا من ممارسة التأثير الإيجابي في المجتمع الفرنسي.

وفي هذا الخصوص، يلاحظ الخبير في أوضاع الجالية الجزائرية أن هذا النائب قد اكتفى في حواره بالإشارة إلى بعض أعراض الأزمة التي يعاني منها المهاجرون الجزائريون في علاقتهم بالمسؤولين على أجهزة الدولة الجزائرية؛ ومن بين هذه الأعراض والنتائج التي ذكرها رفيق تمغاري أنه "لم يتمكن الفرنسيون من أصول جزائرية من بناء لوبي حقيقي مؤثر، سواء على المستوى البرلماني أو الاقتصادي أو الثقافي".

لا أحد ينكر وجود هذا النوع من الأعراض والنتائج السلبية التي تعطل الجالية الجزائرية من تحقيق طموحاتها، ولكن هناك مشكلات جوهرية تم التغافل عنها وينبغي الكشف عنها بصراحة.

وفي الحقيقة فإن المسؤولين عن أجهزة الدولة الجزائرية العليا قد تراجعوا بشكل ملحوظ، انطلاقاً من مرحلة ثمانينيات القرن العشرين، ومباشرة بعد دخول البلاد في مرحلة التعددية الحزبية، عن مسؤولية تنظيم ورعاية الجالية الجزائرية المقيمة في فرنسا، وذلك بتوفير الإمكانيات المادية وتسخير الوسائل التنظيمية وتنشيط فعاليات المتابعة الدائمة بهدف تلبية المطالب الثقافية والتعليمية والمهنية والإعلامية والتكوينية لأبناء الجالية الجزائرية. ولقد تفاقم الوضع بعد إلغاء "وداد الجزائريين المقيمين في فرنسا وأوروبا" التي أسسها النقابي والمناضل الجزائري محمد لبجاوي في عام 1962. يُضاف إلى هذا أن تأسيس النائب الأوروبي والجزائري الأصل كريم زريبي، في عام 2024، المجلس العالمي للجالية الجزائرية في أوروبا والعالم، بقي حتى الآن مجرد تشكيلة نخبوية صغيرة لم تنجز الإقلاع الفعلي لإنشاء نواة قيادة جزائرية منتخبة تصبح ممثلاً شرعياً مقبولاً لدى جميع الجزائريين المقيمين خارج الوطن.

في الواقع، فإن المشكلة الحقيقية الأخرى التي تغافل عنها نائب رئيس "حلقة الأمير عبد القادر" في حواره المذكور آنفاً تتمثل بالجوهر في التشتت الذي أصاب ولا يزال يصيب فسيفساء الجالية الجزائرية في الخارج بسبب نشوب الخلافات الحادة جراء تناقض الانتماءات الإثنية والعقائدية والولاءات الأخرى؛ ولهذه المشكلة أيضاً أسباب سلبية يمكن تلخيصها بسرعة بانعدام أرضية مشتركة بين نخب هذه الجالية الجزائرية المقيمة في فرنسا وفي دول أوروبية مجاورة أخرى، والتي يربو تعداد أفرادها عن أكثر من ستة ملايين نسمة، وبين وزارة الخارجية الجزائرية وسفارتها وقنصلياتها المنتشرة عبر المحافظات الفرنسية المختلفة.

نظراً إلى كلّ ما تقدّم، فإن من يعلّق الآن جميع مشكلات الجالية الجزائرية في فرنسا على مشجب اليمين الفرنسي المتطرف أو الحكومة الفرنسية على نحو مطلق يحتاج إلى تفكير موضوعي، علماً بأن لهذين الطرفين جزءاً من المسؤولية عن الغبن الاجتماعي والثقافي والسياسي الذي تعاني منه أغلب شرائح الجالية الجزائرية.