باكستان ومحاولة ترويض "طالبان"

كتاب النهار 25-08-2025 | 06:08
باكستان ومحاولة ترويض "طالبان"

تبدو ديناميكية تفاعل القوى الإقليمية والدولية داخل أفغانستان اليوم فرصة لاختبار مدى قدرة تلك القوى على إدارة المعادلة المعقدة في هذا البلد الذي طبيعة حكومته لا تضمن له تحقيق استقرار طويل الأمد.

باكستان ومحاولة ترويض "طالبان"
هيمنة طالبان على السلطة يُضعف السيطرة عليها. (أ ف ب)
Smaller Bigger

انفتاح القوى الإقليمية على حركة "طالبان" منذ عودتها إلى حكم أفغانستان بعد انسحاب القوات الأميركية في 15 آب/أغسطس 2021، كان بهدف احتواء الحركة المسلحة وخشيةً من وقوع فراغ أمني في بلد يقع على حدود الصين وآسيا الوسطى وباكستان وإيران.

لذلك استغلتْ "طالبان" تلك القوى القلقة من تنامي الجماعات المتطرفة التي اتخذتْ من الأراضي الأفغانية قاعدةً لعملياتها، في الحصول على الدعم والاعتراف بسلطتها. لكن استمرار تهديدات تلك الجماعات، دفع هذه القوى للضغط على الحركة الأفغانية من أجل إرساء حكومة تعددية، خاصة أن وجود سلطة بلا منافس في كابول، أمر جعل "طالبان" تتلاعب بالجميع.

ويبدو أن الولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب، لن تسمح بوجود جماعة متطرفة تهدد مناطق مصالحها الاقتصادية، وهو ما استغلته باكستان بعد حربها الأخيرة مع الهند، إذ قامت الخارجية الأميركية بتصنيف جماعة جيش تحرير بلوشستان وجناحها الانتحاري، "اللواء مجيد"، ضمن المنظمات الإرهابية، وذلك بعدما توصلت واشنطن وإسلام آباد إلى اتفاقية تجارية تسمح للشركات الأميركية بتطوير احتياطيات النفط غير المستغلة في إقليم بلوشستان الغني بالموارد.

ضغط إسلام آباد على "طالبان"

وفي ظل تنامي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش-خراسان) في أفغانستان، وكذلك الدعم الذي تحصل عليه حركة "طالبان-باكستان" من حكومة كابول، إلى جانب تنامي العلاقات بين تلك الحكومة والهند، بدأت إسلام آباد، بمساعدة حليفتها الصين، بالضغط على "طالبان" بما يُفزعها، فلم تتضمن قائمة وزارة الخارجية الصينية، حتى الآن، اسم مسؤولي "طالبان" ضمن المدعوين إلى اجتماع منظمة شنغهاي للتعاون، المقرر نهاية الشهر الجاري، وهو أمر يُزعج الحركة التي تسعى للاعتراف بسلطتها، بل ذهبتْ إسلام آباد، بدعم من الولايات المتحدة وبريطانيا اللتين تسعيان للتوازن داخل أفغانستان، إلى دعوة خصوم "طالبان"، أي المعارضة الأفغانية، إلى عقد اجتماع في العاصمة الباكستانية، في وقت تتصاعد فيه عمليات "طالبان-باكستان" ضد الجيش الباكستاني، فقد حذر قائده، عاصم منير، من أنه ينبغي على الهند وأفغانستان التوقف عن الأعمال المزعزعة للاستقرار ضد بلاده. كما أكد أن الهند تسعى إلى تقويض تحركات باكستان ودورها في أفغانستان.

وقد تم تأجيل اجتماع المعارضة الذي كان مقرراً في 25-26 آب/ أغسطس، إلى الأسبوع الأخير من أيلول/سبتمبر. وذلك بعد تهديدات مباشرة من "طالبان"، حيث حذر نائب وزير ماليتها، محمد نعيم وردك، من عقده، قائلاً: "أولئك الذين يبدأون هذه اللعبة سيواجهون خسائر فادحة". لكن رسالة إسلام آباد قد وصلتْ كابول والآن تقوم بترجمتها، أن "طالبان" ليست اللاعب الوحيد في إدارة أفغانستان.

ويحمل الاجتماع الثلاثي الذي استضافته كابول، الأربعاء 20 آب/ أغسطس، لوزراء الخارجية، الصيني وانغ يي، والباكستاني محمد إسحاق دار، مع القائم بأعمال وزير خارجية "طالبان"، أمير خان متقي، إشارةً واضحة إلى أن العلاقات بين "طالبان" وإسلام آباد قد وصلت إلى أزمة غير مسبوقة، وأن بكين دخلت على خط الضغط، حتى أن وزير خارجيتها، طلب من رئيس وزراء "طالبان"، الملا حسن آخوند، طرد المقاتلين الأويغور الانفصاليين من صفوف جيش الحركة الأفغانية، خاصة أن اندماجهم في عمليات نظامية يهدد الأمن القومي لبلاده. كما أن دخول الصين على خط الأزمة جزء من الحل أيضاً، حيث تضغط "طالبان" من أجل توسيع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني (CPEC) ليشمل أفغانستان، كجزء من مبادرة الحزام والطريق الصينية.

وفي المحصلة تبدو ديناميكية تفاعل القوى الإقليمية والدولية داخل أفغانستان اليوم فرصة لاختبار مدى قدرة تلك القوى على إدارة المعادلة المعقدة في هذا البلد الذي طبيعة حكومته لا تضمن له تحقيق استقرار طويل الأمد.