.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
ماذا ستقرر طهران؟ هل سيتجرع خامنئي كأس السم الذي اختار سلفه آية الله الخميني أن يشربه عندما قبل قرار وقف النار مع العراق؟ أم أن القيادة الإيرانية ستستمر في دفن الرؤوس في الرمال أمام تراجعٍ جدّي في وزنها الإقليمي، وأمام تقلّص خياراتها وقدراتها ووهرتها؟
القاسم المشترك بين القيادة الروسية والقيادة الإيرانية هو أن كلاهما يعتمد تكتيك التأجيل والتذاكي لتجنّب العقوبات والتداعيات الاستراتيجية والعسكرية لسياساتهما، فيما تحاولان استعادة بعض من ماضي التموضع في موازين القوى الإقليمية والدولية.
ارتباك القيادة الإيرانية وصل هذا الأسبوع الى نقطة مفصلية، بانحسارٍ وهرةٍ كانت في السابق تؤخذ بقلق، وبظهور معالم تفكّكٍ للمشروع الفارسي القائم على أيديولوجية مصطنعة هي استخدام لبنان وسوريا والعراق واليمن أدوات لمحور سمّته محور المقاومة والممانعة. لذلك تلهث القيادة الإيرانية وراء التقاط أشلاء الهيمنة التي جعلتها لاعباً يُخشى إقليمياً ويؤخذ في الحسبان دولياً، تلهث وراء لملمة الوكلاء المبعثرين والحلفاء التقليديين مثل روسيا. أما القيادة الروسية، فإنها انتقلت من ماضي المساواة بين دولتين عظميين إلى حاضر دولة تسترضي الدولة الأخرى المستفردة بالعظمة لترحمها من عقوبات مدمِّرة ولتعيد تأهيلها بعد العزلة. كلا القيادتين في أرق، تسيران على حبل مشدود بين الشوق إلى ماضي التعالي والتباهي بنفوذ إقليمي ودولي بلا مثيل، وبين الإقرار بما يقتضيه واقع اليوم من حاجة إلى تلبية الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتواضع وبمرارة الواقعية.
القيادة الإيرانية تبعثرت الأسبوع الماضي بين رعبها من استئناف العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية ضدها بحلول نهاية آب/ أغسطس الجاري، وبين إعادة فرض العقوبات الأوروبية بموجب آلية "سناب باك" عقاباً لها على سياساتها النووية. تفعيل هذه الآلية المعروفة بـ"كبح الزناد" التي اعتمدتها اتفاقية JCPOA في حال أخلّت إيران بتعهداتها سيزيد من إرهاقها اقتصادياً، وكذلك مضاعفة العقوبات الأميركية عليها.
تطويق إيران اقتصادياً وعسكرياً يدب الذعر في صفوف قياداتها المتعددة تحت راية مرشد الجمهورية آية الله علي خامنئي. وهذا من الأسباب وراء استنجاد طهران بأذرعها الإقليمية في محاولة للملمة نفوذها إقليمياً. لكن محطة لبنان في مسيرة إيران اصطدمت بتطور لم تكن القيادة الإيرانية تتوقعه إطلاقاً. اصطدمت بحائط سيادة لبنانية مكتسبة، بحلّة لم تخطر على بال قيادة إيرانية اعتادت على انحناء لبنان أمامها بإملاء من ذراعها الأهم "حزب الله". والأمر ليس بسيطاً إطلاقاً.
أهمية ما حدث في الأسبوعين الماضيين مهم جداً على صعيد قرارات الدولة اللبنانية المتمثلة برئيس الجمهورية جوزف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، ورئيس مجلس النواب نبيه بري. فالرؤساء الثلاثة تجرأوا على اتخاذ خطوات الطلاق من الإملاء الإيراني، ومن تعطيل حزبٍ واحد هو "حزب الله" لمسار السيادة واستعادة القرار بالحرب والسلم. أقرّوا حصرية السلاح بيد الدولة، فطار صواب رجال "حزب الله" ورجال النظام في طهران الذين هرولوا إلى محاولة منع الدولة اللبنانية من استعادة سيادتها وهدّدوا ضمنياً بعواقب، إذا ما حاولت الدولة اللبنانية نزع سلاح الوكيل الإيراني في لبنان، "حزب الله".
صُدِمَت القيادة الإيرانية بأمور عدة من التجربة اللبنانية الأخيرة: وضوح عون وسلام برسالة الإصرار على القرار السيادي الحكومي بلا تدخل إيراني، وبعلنيّة. وضوح مباركة أحد قطبي الثنائي الشيعي، الرئيس نبيه بري، لاستقلالية القرار السيادي للحكومة في تحوّل جذري أثار غضب "حزب الله". وضوح الانقسام داخل الطائفة الشيعية بين مَن ينضوي في صفوف "حزب الله"، وبين فئة كبيرة سئمت من دفع ثمن الإملاء الإيراني ومزاعم محور المقاومة و"صوتت" للسيادة اللبنانية وليس للوكالة وللوصاية الإيرانية على لبنان.
تُهَم التخوين سقطت بعدما بات واضحاً أن اللبنانيين لا يريدون لإسرائيل ولا لإيران استخدامهم ساحة قتال بالنيابة ولا ساحة مد وجزر لتسجيل منافع لهما. بات واضحاً أثناء زيارة علي لاريجاني، المسؤول الأول عن الأمن القومي في إيران، إلى لبنان أن العنجهية الإيرانية تتمزق مقهورة أمام تجرّؤ الدولة والشعب في لبنان على مواجهة تسلّط الجمهورية الإسلامية الإيرانية على السيادة واستقلالية القرار. فطهران ظنّت أنها قادرة على استخدام لبنان و"حزب الله" ورقة ثمينة في مفاوضاتها مع إدارة ترامب، ثم وجدت فجأة أن إدارة ترامب سبقتها إلى سحب تلك الورقة منها، فطار صوابها.
القيادة الإيرانية تجد نفسها اليوم مطوّقة بالذعر ليس من عواقب عسكرية واقتصادية، أميركية وأوروبية فحسب، وإنما أيضاً من انحسار قيمة أداة الوكلاء وفاعليتهم. وهذا يعني لها أنها في عد عكسي إلى انحسار قيمتها وفاعليتها في إطار التموضع الإقليمي.
فماذا ستقرر طهران؟ هل سيتجرع خامنئي كأس السم الذي اختار سلفه آية الله الخميني أن يشربه عندما قبل قرار وقف النار مع العراق؟ أم أن القيادة الإيرانية ستستمر في دفن الرؤوس في الرمال أمام تراجعٍ جدّي في وزنها الإقليمي، وأمام تقلّص خياراتها وقدراتها ووهرتها.
وماذا ستقرر واشنطن والعواصم الأوروبية إزاء تداعيات الذعر الإيراني الذي تمثّل جزء منه في تصعيد خطير للأمين العام لـ"حزب الله"، نعيم قاسم، الذي باشر لغة التوعّد والتهديد للدولة وللشعب اللبنانيين، إذا تم تنفيذ قرار نزع سلاحه في إطار تطبيق قرار الدولة بحصرية السلاح؟
حان الوقت لأخذ لبنان بجديّة في عواصم القرار، وبالذات واشنطن، التي تعرف تماماً أن الوقت حان لطرح مسألة الوكلاء والأذرع الإيرانية في المفاوضات الثنائية، تلك التي تتم وراء الكواليس وتلك التي تُعقد علناً عبر وسطاء. تشعر إيران أنها فوق المحاسبة على ما ترتكبه بحق لبنان عبر تحريضها على أعلى مستوياتها الحكومية لـ"حزب الله" ضد الدولة، لأنها تعتقد أن واشنطن والعواصم الأوروبية لا يهمها سوى المسألة النووية. حان الوقت لهذه العواصم أن تبلّغ طهران أن تقويمها بعيد عن الصواب.
سيقول البعض إن كل الحِمل يقع على أكتاف واشنطن لأنها ذات الوزن الثقيل مع إيران كما مع روسيا كما مع إسرائيل. هذا صحيح. لكن لأوروبا قدرات وفي أياديها أدوات. أولويتها بالطبع هي نحو روسيا التي أتت إلى عقر دار أوروبا بحربٍ لم تكن تخطر في بال الأوروبيين وأثارت نقمة عليها. أوروبا تأهبت لمنع الرئيس ترامب من التفكير في أن يسامح الرئيس بوتين على ما فعله بحربه الأوكرانية، وما لهذه الحرب من عواقب وتداعيات على الشق الأوروبي من حلف شمال الأطلسي.
بعقوبات اقتصادية، وبضخ الأسلحة المتطورة في أوكرانيا، وبتوسيع حلف الناتو وتوطيده، تتعرّض أوروبا لروسيا بحزم وتراقب إدارة ترامب بكل صرامة على كل خطوة، مشوارها بذلك صعب ومعقد. تحاول أن تعالج ضميرها أمام الجرائم الإسرائيلية ضد الفلسطينيين المدنيين في غزة وتلجأ إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية كأحدى وسائل الاحتجاج.
في هذا الصدد، ولوقفةٍ سريعة، جيد حشد الدعم الدولي لإعلان الاعتراف بدولة فلسطين، وجيد كل هذا الجهد الذي يُبذل. إنما الواقع على الأرض يتطلب أكثر من ذلك بكثير. يتطلب إجراءات ملموسة وعقوبات جديّة تتبناها الدول الأوروبية ضد إسرائيل، وإلا فإن إسرائيل مستمرة في فرض الأمر الواقع ليس فقط في قطاع غزة وإنما أيضاً في الضفة الغربية حيث الاستيطان على قدمٍ وساق وهو عملياً يلغي إمكان وجود الدولة الفلسطينية، شأنه شأن نهج التهجير الإسرائيلي للفلسطينيين من غزة.
قد يقال لماذا تطالبون أوروبا بإجراءات فيما الفصائل الفلسطينية والسلطة الفلسطينية تتناحر وسط الطموحات بالحكم على وقع التهجير والاستيطان والتجويع والقتل لشعبها. نعم، هذه مأساة الفلسطينيين المنبثقة ليس عن الاحتلال والانتقام الإسرائيلي فحسب وإنما أيضاً عن الانقسام الفلسطيني. بغض النظر، أن ما تقوم به الدول الأوروبية من اعتراف بفلسطين وإدانة لإسرائيل مشكورة عليه، إنما عملياً وفعلياً، لن يؤثر على مواقف وممارسات إسرائيل سوى العقوبات.
فكما إيران، كذلك إسرائيل، كذلك روسيا، إن سلاح العقوبات هو الذي قد يغيّر في سلوكها وفي سياساتها. إيران لن تلجم "حزب الله" وتوقف نعيم قاسم عن تهديده للبنان بتحريض مباشر من لاريجاني نيابة عن خامنئي، ما لم تعلن الترويكا الأوروبية- فرنسا وبريطانيا وألمانيا- أنها جاهزة لحماية سيادة لبنان عن طريق عقوبات على إيران.
وكذلك الأمر في ما يتعلق بالولايات المتحدة وضرورة إدخال عنصر العقوبات على إيران ليس فقط بسبب الملف النووي وإنما بالضرورة لإيقاف إيران عن تحريضها لوكيلها "حزب الله"، إلى درجة تقديم لبنان طعماً لإسرائيل كي تستأنف عملياتها العسكرية في لبنان.
فالقيادة الإيرانية تعتقد أن توريط إسرائيل في لبنان قد يلهيها عن العمل العسكري ضد إيران. ةتعتقد أيضاً أن لجم تصعيد نعيم قاسم ذخيرة لدى طهران يمكن استخدامها في إطار التفاوض مع إدارة ترامب.
نعم، إن العقوبات سلاح بجدوى. لولا إعلان ترامب حجم العقوبات التي استعد لفرضها على روسيا ضمن مهلة زمنية لما أسرع بوتين إلى طلب اللقاء مع ترامب في قمة ألاسكا، قمة الترغيب والترهيب. الترغيب الروسي بمشاريع استثمارية مشتركة يؤدّي بترامب إلى تأجيل الترهيب بالعقوبات.