شتّان، لا أمويّون ولا ما يحزنون!

كتاب النهار 19-08-2025 | 04:01
شتّان، لا أمويّون ولا ما يحزنون!

لم تكن الدولة الأموية دولة ثيوقراطية قط! ولم تحتكر السلطة فيها تفسير دين الناس وتقويمه. ولا كانت سلطة مشيخية تكرّس سلطتهم في كل الطوائف، بل كانت موضوعياً "دولة مدنية، بمرجعية إسلامية" عاصمتها دمشق، المتعددة الطوائف، والملل، والنحل، والأعراق.

شتّان، لا أمويّون ولا ما يحزنون!
ساحة الجامع الأموي في دمشق… سجل طويل لتعاقب معتقدات اشتهرت بالتعايش والتسامح. (أ ف ب)
Smaller Bigger

لا أبحث في أمور الدين، فأنا ما زلت تلميذاً. ولست أدّعي عرفاناً لأكون جديراً بما أعتبره إسلاماً حقيقياً؛ فأنا لا آخذ الإيمان بخفة، بل أنزّهه عن أي انحطاط غوغائي.

ولكن، في لحظة مفصلية بالنسبة لسوريا، يُفترض أن تتمسك بنهج وطني جامع، خلال رؤية وطنية، عصرية ونقدية، لعل من المفيد التذكير بأن الدولة الأموية كانت أبعد ما يكون عن العصبوية والتطرف والأحادية العقائدية والدينية والفكرية.

لذلك أكتب عن الدولة الأموية وبنيتها ببعدها السياسي، لعلي أرسم خطاً ينزّهها، على علاتها، الكثيرة، عن أي حمية أو تزمّت، وأنا لا أكتب هنا كخبير تاريخي، بل كقارئ سياسي للتاريخ.

إن تأملنا في روائع ذلك العقل السياسي المجتمعي المركب للدولة الأموية الناشئة، لوجدنا أهل دمشق من السريان المسيحيين، فتحوا أبوابها احتجاجاً على تعسف الرومان من جهة، وثقة منهم بأن السلالة الأموية الجديدة لن تنجرف وراء حماقة العصبية الدينية الضيقة، بل سترسم علاقتها بأهل البلاد المسيحيين الأصليين، بناءً على رابطة الأرض والأصول، لتعاملهم بأكبر قدر من المكانة والاحترام لهم ولحقوقهم الكاملة.

قطعت الدولة الأموية العتيدة بحزم مع تجربة الخلافة الراشدية التي زامنت بين السلطة الدينية والدنيوية.

وإضافة لأكثرية مرموقة من الباحثين الإسلاميين والغربيين، تشير السجلات الموثوقة (الطبري، مسكويه، ابن الأثير)، والمصادر القانونية والدينية (يبني لابيدوس - شاخت، شعبان، إلخ) إلى أن الدولة الإسلامية الأموية – الشامية والأندلسية - كما الدولة الشيعية المبكرة، فصلت تماماً بين السلطة الدنيوية ومتطلباتها السياسية والعسكرية والمالية من جهة، والسلطة الدينية وعلماء الدين وصراعاتهم ومصالحهم في الفضاء المعياري القيمي والديني واللاهوتي. وفيما لم تكن الدولة الأموية "علمانية"، بالمعنى الفرنسي التعسفي الذي يستبعد الدين من الفضاء الاجتماعي، فلقد أسست بحزم لسلطة دنيوية حيادية تتموضع فوق العقائد.

بهذا المعنى يرى غالبية الباحثين أن الدولة الأموية أقرب للتجربة العلمانية الأنكلو - سكسونية، حيث تحتفظ المؤسسة الدينية بدورها المجتمعي والقيمي من جهة، لكنها تخرج رجال الدين بشكل بات من الفضاء السياسي والسلطوي.

فبدلاً من الأسلمة القسرية والعصبية العقائدية، اختار الأمويون التسامح والبراغماتية، بل يؤكد المؤرخ ويليام هاوتينغ، أن الأمويين لم يكونوا يشجعون التحول السريع للسكان الأصليين للإسلام، تثبيتاً للسلم الأهلي، وحفاظاً على الموارد الاجتماعية والإيرادات المالية والحقوق الزراعية ومنظومة ضرائب الأراضي.

ضَمِنَ هذا الفصل التام، بين السلطة الدنيوية والخلافة كمؤسسة حيادية مدنية توازن مصالح الطبقات والمكوّنات وبيروقراطية الدولة، والسلطة الدينية العقائدية التي أسند إليها الاجتهاد، وتأسيس والفقه القانوني للإسلام.

حقق هذا الفصل بين السلطة المدنية مكسبان استثنائيان: أولهما إخراج التدين والعقائد من السياسة وصراعاتها، وثانيهما إبعاد الدين عن البلاط واستقلال القضاء عن السلطة السياسية (نسبياً حتماً).

أتاح هذا المناخ المنفتح للدول الأموية، حرية العلوم المعرفية والفلسفية، وتحولت الدولة لحوض عظيم، للتقاطع الحضاري والثقافي الكوني، يمتد من الفلسفة اليونانية والفارسية والهندية لعلم اللاهوت (الكلام). وترسخت نخبة دينية وعلمية وفلسفية متميزة، فيها الكثير ممن يكفّرهم المتشددون في زماننا.

لم تكن الدولة الأموية دولة ثيوقراطية قط! ولم تحتكر السلطة فيها تفسير دين الناس وتقويمه. ولا كانت سلطة مشيخية تكرّس سلطتهم في كل الطوائف، بل كانت موضوعياً "دولة مدنية، بمرجعية إسلامية" عاصمتها دمشق، المتعددة الطوائف، والملل، والنحل، والأعراق.

يقول معاوية "لا أضع سوطي حيث يكفيني لساني". وتقول سعاد صالح "فقد قدّم الأمويون الدنيا على الدين". ويستشهد المؤرخ فيليپ حتّي، وهنري لامنس، وفريد دونر، بزوجة معاوية ميسون بنت بحدل الكلبية، المسيحية، وبطبيب معاوية وبوزير ماليته المسيحي وبشاعر بلاطه المسيحي، وسوى ذلك فقد عيّن ابن آثال والياً على حمص، وهو تعيين منقطع النظير في تاريخ الدول الإسلامية، بحيث لقب سكان سوريا معاوية "بالمستنير السمح".

لم تفكك الدولة الأموية البيروقراطية الحكومية للدولة البيزنطية، بل كرّستها وبنت عليها! ولم تحل الدولة الأموية الكتائب السريانية للجيش البيزنطي، بل استفادت من علومها العسكرية وخبراتها وشاركتها في بنيتها، وكرّست أعلامها وراياتها في المعارك، بل رممت المعابد الوثنية للزرادشتيين الذين كانوا يعتبرون من الوثنيين، وسمحت للسريان والزرادشتيين بالإبقاء على قواتهم المحلية الخاصة في مناطقهم، بل اتخذت المسيحية سمة وطنية اجتماعية بين القبائل، تفاخر بها الأخطل التغلبي وعبد المسيح بن إسحق الكندي كدين لقبيلته كندة.

وبلغت الثقة والحياد الديني للدولة الأموية، أنه حين تساجل الموارنة والسريان حول طرق وطبيعة "السيد المسيح"، احتكما للخليفة معاوية بن أبي سفيان فأقرّ رأي الموارنة، ومنحهم كنائس كانت تابعة للأرثوذكس في حمص.

أما عمر بن عبد العزيز 717-720 فلقد تقشف في لباسه، وأمر زوجته بأن ترد إلى بيت المال ما أهداه إليها والدها من الحلي النفيسة، وقرّب إليه العلماء من الأديان الأخرى ليستنير بحكمتهم وعقد الصلح مع الدول الأجنبية، وأمر برفع الحصار عن القسطنطينية وعودة الجيش الذي كان يحاصرها، بل إنه استدعى الحاميات التي كانت قائمة في المدن الإسلامية التي كانت لا تعترف بحكم الأمويين. واتفق معها على أن تحمي أرضها بقواتها.

اقتبست هذه المعطيات من العديد من المراجع الإسلامية والاستشراقية، التي لا تبدو موضع خلاف بين المؤرخين إطلاقاً. وإذا حمل الاستنساب للأموية رومنسية شرعية ما، فيجب أن يكون ذلك مدعاة لمضاهاتها بالأفعال بعيداً من الأساطير العقائدية المعلبة.

وبعدما قمت بتحديث معرفتي في بحثي المتواضع هذا، أقول شتان! بل ليس من الإنصاف التاريخي في شيء، أن تنسب الأفعال العصبية لا للدولة ولا للثقافة الأموية.

بعدما خدله شعبه في الاستفتاء 1970 قال الجنرال ديغول لشعبه: "الشعب العظيم يخذل عظماءه".

فلقد ارتقى سلّم التاريخ عالياً، ليصبح الزمان الأموي ذاته عتيقاً، غير ملائم لتطور علاقات الإنتاج ولا ثقافات العصر والبشر. وحيث لا تشتق الشرعية والسلطة من العقائد، بل من الشعب الذي يستطيع في أي وقت أن يطيح حاكمه. وحيث الحاكمية لصندوق الاقتراع، وليست الحاكمية للمشايخ باسم السلطة الإلهية، وحيث الأحزاب والمجتمع المدني إلخ...

فشتان أن نخلط بين العصبية الظلامية والأموية، بل شتان، شتان، شتان، بينها وبين العصر.