حينما يجرّدك إخوتك من إنسانيّتك

كتاب النهار 16-08-2025 | 06:11
حينما يجرّدك إخوتك من إنسانيّتك
ماذا نتوقع من الغرباء، والمغيبين، والمؤدلجين، ومفرطي العواطف، إن كان الخطاب الذي يسلب الغزاويين إنسانيتهم يصدر ممن يشاركونهم الأرض؟ عفواً، ممن يختبئون تحتهم في الأنفاق...
حينما يجرّدك إخوتك من إنسانيّتك
أثبتت لغة قياديي "حماس" بأنهم لا يعتبرون المواطن الغزاوي إنساناً مثلنا ومثلهم. (أ ف ب)
Smaller Bigger

مع استمرار الحرب في غزة، أعتقد أن المتلقي العالمي أصبح أكثر وعياً بالخطاب الذي يصدر من الإسرائيليين المتطرفين والغرب المتواطئ بهدف تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، وأكثر وعياً بمساهمة هذا الخطاب في تبرير الإبادة. ولكن أي دور يلعب الخطاب الذي يجرّد الفلسطينيين، والغزاويين تحديداً، من إنسانيتهم حين يصدر من فلسطينيين مثلهم، بل ممن يفترض بهم "تمثيل" القطاع الجريح؟

منذ بدأت الحرب، أثبتت لغة قياديي "حماس" بأنهم لا يعتبرون المواطن الغزاوي إنساناً مثلنا ومثلهم؛ يحلم ويتوق ويعشق، ويألم ويسأم ويتعب، وقد - صدّق أو لا تصدّق - يود العيش بسلام، والتفرغ للدراسة والعمل والاختراع والإبداع، بل هو رقم فحسب في بورصة انتصاراتهم الوهمية. فصحيح أن "السهم الغزاوي" يشهد انحداراً حاداً منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ولكن الـ60 ألفاً الذين سقطوا كانوا مجرد "خسائر تكتيكية"، بحسب خالد مشعل، أحد أعضاء اللجنة المؤقتة لـ"حماس"، لا بشراً لهم أسر وأحباء وأصدقاء وزملاء، وحتى حيوانات أليفة تأوي إليهم.

ثم يتبعه سامي أبو زهري، الناطق الرسمي باسم "حماس"، فيصرّح بأن "البيت المُدمر سيعاد بناؤه، والشهيد سيأتي غيره عشرات الأضعاف". يا للبساطة! فلا للبيوت ذكريات وتواريخ وقيم معنوية، ولا للبشر كيانات وشخصيات وطبائع وأفكار تصطفيهم عمن سواهم. إنهم "فيش" يلعب بها في "الكازينو"، وحينما تفشل مقامرته غير المحسوبة العواقب، يستبدلها. كل ما على المواطن الغزاوي فعله هو أن "يشد حيله" في التكاثر والإنجاب، وقريباً سينسى كل من فقدهم قصفاً وتجويعاً وحرقاً ومرضاً. لم يكن ثمة ما يميزهم أصلاً؛ فلم يكونوا "سوى غزاويين".

وعموماً، فلغة "حماس" تفضح استهتارها بالمواطن الغزاوي منذ ما قبل الحرب الحالية. أتذكرون مقابلة يحيى السنوار، الرئيس السابق للمكتب السياسي للحركة، في 2018 مع قناة "الميادين" حين لوّح بالمقاومة "حتى يفنى آخر طفل"؟ وكأنما استشار حضرته الطفل الغزاوي الذي طمأنه بأنه يفضّل الموت لإشباع غرور السنوار على أن يكبر ويختبر الحياة.

وأتساءل أحياناً: ماذا لو لم تتحدث "حماس" عن مواطنيها بهذه اللغة المعبأة بالاستخفاف والاسترخاص والاستحقار؟ هل لوجدنا بيننا من يتفيأ بالتكييف، ويجلس أمام مائدته العامرة، ثم ينظّر ويزايد على الغزاويين الحانقين الساخطين وكأنما خُلقت أرواحهم خصوصاً لتعُذب وتُقمع؟ هل لسمعنا بيننا أحمقَ ميت القلب والشعور يقول "سبحان الله، مهما ذبحوا من هذا الشعب فإنه لا ينقرض"، وكأنما يُفاخر بمزرعة دواجن؟ هل لوجدنا بيننا من يعتبر القتيل الإسرائيلي "أثقل" في الميزان من 100 غزاوي؟ هل لتجرأ أحد منا على هذه اللامبالاة بالدم الغزاوي وكأن قدره أن يُسفك دائماً؟

ماذا نتوقع من الغرباء، والمغيبين، والمؤدلجين، ومفرطي العواطف، إن كان الخطاب الذي يسلب الغزاويين إنسانيتهم يصدر ممن يشاركونهم الأرض؟ عفواً، من يختبئون تحتهم في الأنفاق، ويتابعونهم من فنادق 5 نجوم.

ليس ثمة خطاب يجرّد الغزاويين من إنسانيتهم "بسمنة" وآخر "بزيت"؛ فكلاهما يسوغان المجزرة.