الحر الرباني... والحر الإيراني

كتاب النهار 15-08-2025 | 04:40

الحر الرباني... والحر الإيراني

بدا واضحاً إحراج الموفد الإيراني وانزعاجه، فلربما توقع موقف رئيس الحكومة، لكنه ربما لم يكن يتوقع هذا الموقف الحاسم من رئيس الجمهورية.
الحر الرباني... والحر الإيراني
الاجتماع بين الرئيس جوزف عون وعلي لاريجاني (أ ف ب)
Smaller Bigger

كانت أياماً حارة جداً في لبنان. درجات الحرارة تخطت الأربعين في بعض المناطق في واحدة من أكثر موجات الحر طولاً التي تجتاح البلاد المصنفة ذات طقس معتدل. وفيما كان اللبنانيون محاصرين بـ"الشوب" الربّاني، وسط تفاقم أزمتي الكهرباء والماء المستعصيتين على الحلّ منذ سنوات طويلة (وهذا موضوع آخر معقد بشكل يفوق مخيلات وزراء الطاقة المتعاقبين وحكوماتهم وكفاءاتهم على اجتراح الحلول له)، كان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران علي لاريجاني يحط في بيروت في زيارة رفعت حرارة التوتر السياسي وستبقى تداعياتها تتفاعل لأيام طويلة.

 

سمع الموفد الإيراني كلاما صريحاً من رئيسي الجمهورية جوزف عون والحكومة نواف سلام يمكن اختصار مضمونه بعبارة "حلّوا عنا". كانا حاسمين في إبلاغهما الموفد الإيراني بأن أيّ مساعدة للبنان مرحب بها بشرط أن تقدّم إلى الدولة عبر المؤسسات الدستورية لا إلى فئات حزبية وطائفية، وأن لبنان لم يعد يقبل بالتدخل في شؤونه وسياساته. هذا كلام يسمع للمرة الأولى مباشرة من الدولة اللبنانية في قرار نهائي من رأسي السلطة التنفيذية في البلد بوضع العلاقات بين لبنان وإيران في سياق العلاقات بين دولة ودولة بعد أربعة عقود كانت إيران تتعامل مع لبنان عبر "حزب الله"، رغم كلّ مظاهر اللياقات الديبلوماسية والحرص على التواصل مع الرؤساء والحكومات.

 

بدا واضحاً إحراج الموفد الإيراني وانزعاجه، فلربما كان يتوقع موقف رئيس الحكومة، لكنه ربما لم يكن يتوقع هذا الموقف الحاسم من رئيس الجمهورية، فحاول تهدئة الأمور في تصريحه بعد لقائه رئيس المجلس النيابي نبيه بري معلناً أن بلاده تؤيد أي قرار تتخذه الحكومة اللبنانية قبل أن يهاجم الورقة الأميركية وإملاءاتها على لبنان ويعود إلى الصيغة التقليدية للخطاب الإيراني: "عليكم أن تميّزوا بين العدو والصديق...وعليكم أن تعوا أن المقاومة هي رأس مال عظيم لكم...".

 

يعكس خطاب لاريجاني في بيروت، والذي جاء في لحظة توتر، تداخلت فيها عوامل ضاغطة جداً على الموقف الرسمي اللبناني، مأزقاً حقيقياً للسياسة الإيرانية في لبنان والمنطقة، وكذلك للبنان الذي يصارع على جبهات متعددة من دون سند حقيقيّ وقويّ وفاعل، اللهم إلا الكلام الجميل من هنا وهناك في مقابل التهويل من جهات دولية عديدة والاعتداءات الإسرائيلية المتمادية.

 

لاريجاني زار ضريح نصرالله (حسام شبارو).
لاريجاني زار ضريح نصرالله (حسام شبارو).

 

رفعت زيارة لاريجاني من حرارة التوتر اللبناني حول موضوع سلاح "حزب الله"، وقد ترفعه أكثر زيارات الموفد الأميركي وغيره من الموفدين، وكذلك الاعتداءات والتصريحات الإسرائيلية التصعيدية والاستفزازية ضد لبنان. مسألة السلاح تتعقد أكثر فأكثر، ويمكن تلمس ذلك في مواقف الرئيس نبيه بري، الذي تشيع أوساطه انزعاجه من مواقف رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وتاكيده أنه و"حزب الله" في خندق واحد. 

 

لن تنسحب إيران من لبنان، ولن تتخلى عن "حزب الله" وسلاحه بسهولة يفترضها دعاة انسحابها، فلم يحن الوقت بعد لحلّ نهائي للأزمة اللبنانية؛ وهو حلّ لن تستطيع الدولة اللبنانية بطبقتها السياسية المشتبكة ببعضها البعض فرضه. لم تنته حرب غزة بعد، ولم تستقر أوضاع سوريا، وما زال نتنياهو يحلم برؤيا إسرائيل الكبرى.

 

ستنحسر اليوم موجة الحر الشديد ويعود الطقس إلى طبيعته ويتحرر اللبنانيون من قيد الطبيعة، الذي لم يرحمهم بغياب إمكانات التبريد، لكن حرّ السياسة والمواقف المتشنجة لن يرحمهم حتى أمد طويل. في هذه الأثناء يغادر المغتربون الذين أمضوا إجازاتهم في ربوع الوطن، ويبقى المقيمون يتصارعون حول السؤال الأبدي" البيضة قبل أم الدجاجة؟".

الأكثر قراءة

ثقافة 10/7/2026 10:45:00 PM
تعود مؤرخة الفن ثريا نجيم لقيادة اللوفر أبوظبي بعدما أسهمت في تأسيس رؤيته وتطوير مقتنياته، حاملةً خبرة دولية في الفن الإسلامي وإدارة المجموعات والمعارض.
المشرق-العربي 10/7/2026 10:20:00 AM
نشرت كتائب القسام مشاهد موثّقة وغير منشورة سابقاً ليحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، الذي قتل في 16 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2024 خلال اشتباكات مع قوة من الجيش الإسرائيلي في جنوب قطاع غزة.
المشرق-العربي 10/8/2026 12:06:00 PM
واشنطن تفتح باب تسليح الجيش السوري، وإسرائيل تفرض خطوطها الحمر. هل تدفع صفقات السلاح دمشق إلى حروب جديدة من لبنان إلى اليمن؟ ومن يملك القرار العسكري؟
النهار تتحقق 10/8/2026 2:51:00 PM
"الزمن يغيّر الملامح لكن لا يغيّر مكانته"، علّق مستخدمون على الصورة.