قمة ألاسكا: بوتين وترامب على جليد السياسة الساخن

كتاب النهار 15-08-2025 | 06:10

قمة ألاسكا: بوتين وترامب على جليد السياسة الساخن

اختيار ألاسكا مكاناً للقمة ليس اعتباطياً. فالولاية الأميركية التي كانت جزءاً من الإمبراطورية الروسية حتى بيعها للولايات المتحدة عام 1867، تمثل رابطاً تاريخياً بين البلدين
قمة ألاسكا: بوتين وترامب على جليد السياسة الساخن
ترامب وبوتين في قمة هلسنكي 2018
Smaller Bigger

في أقصى الشمال، حيث يمتد الجليد بلا نهاية، يتهيأ مسرح غير اعتيادي للقاء سياسي قد يغير معادلات العالم. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الاميركي دونالد ترامب، خصمان في العلن وشريكان في لحظات المصلحة، سيلتقيان في ألاسكا، الأرض التي كانت يوماً روسية وأصبحت أميركية، ليضعا على الطاولة ملفات ملتهبة من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط. هنا، على حافة القطب الشمالي، سيختبر الطرفان قدرة السياسة على إذابة الجليد، أو ربما قدرته على تجميد الأزمات.

اختيار ألاسكا مكاناً للقمة ليس اعتباطياً. فالولاية الأميركية التي كانت جزءاً من الإمبراطورية الروسية حتى بيعها للولايات المتحدة عام 1867، تمثل رابطاً تاريخياً بين البلدين، وتذكيراً ضمنياً بقدرة الجغرافيا على تغيير مسار السياسة. الموقع الجغرافي لألاسكا، القريب من روسيا والمطل على القطب الشمالي، يعكس رغبة الطرفين في إرسال رسالة جيو-سياسية مزدوجة، الأولى تتعلق بأهمية المنطقة كممر مستقبلي للطاقة والتجارة، والثانية بتعزيز الحضور الاستراتيجي في فضاء يتسابق الجميع على موارده النادرة، سواء كانت موارد معدنية، أو طرقاً بحرية تزداد أهميتها مع ذوبان الجليد.

الملف الأوكراني سيهيمن على المحادثات، خصوصاً مع تزايد الحديث عن اقتراح روسي لتبادل أراضٍ في مقابل وقف النار، وهو عرض يبدو أنه سيواجه رفضاً أوكرانياً وأوروبياً واسعاً، ما ينذر بمفاوضات معقدة قد تطول من دون نتائج ملموسة. ثمة من يرى أن موسكو لا تبحث فعلياً عن حل نهائي بقدر ما تسعى إلى هدنة تكتيكية تؤمن لها تجميد العقوبات وإعادة ترتيب أوراقها في الميدان.

ووفق تقديرات العديد من المصادر، فإن القمة قد تتيح لبوتين فرصة لإقناع ترامب بالتراجع عن تهديداته بفرض رسوم جمركية على مستوردي النفط الروسي. حتى لو خرجت القمة بوقف نار محدود، فإن السلام الشامل يظل مستبعداً في ظل تمسك موسكو بمطالبها القصوى، لكن بوتين قد يغري ترامب بحوافز اقتصادية مثل الاستثمار في المعادن النادرة والبنية التحتية في القطب الشمالي والتعاون الفضائي.

ومنذ أيارمايو، سيطرت روسيا على نحو 500 كيلومتر مربع إضافية في أوكرانيا، لكن هذه المكاسب بطيئة ومكلفة، ما يعزز حاجتها إلى هدنة ديبلوماسية. في المقابل، يدرك ترامب أن أي رسوم جمركية على مستوردي النفط الروسي كالهند والصين قد تهز الأسواق العالمية وترفع أسعار الوقود في الداخل الأميركي، ما يمنحه دافعاً للبحث عن مخرج قصير المدى يمكن تسويقه كإنجاز ديبلوماسي أمام ناخبيه.

أما الشرق الأوسط، فرغم أنه ليس محور القمة المعلن، فإن خبرة الرجلين في توظيف الملفات الإقليمية كورقة ضغط تجعل من المحتمل أن يكون حاضراً ضمن أجندة المساومات. من بين هذه الملفات، تبرز إسرائيل كعامل رئيسي في معادلات الشرق الأوسط، إذ قد تسعى واشنطن لاستطلاع موقف موسكو من أي ترتيبات أمنية أو سياسية تتعلق بسوريا أو إيران، في ظل رغبة إسرائيلية دائمة بضمان تفوقها العسكري واحتواء النفوذ الإيراني. روسيا، التي تمتلك خبرة كبيرة في سوريا، تدرك أن أي تفاهمات مع أميركا في هذه المنطقة لن تكون ممكنة من دون أخذ الموقف الإسرائيلي في الحسبان، سواء تعلق الأمر بصفقات سلاح أو مناطق نفوذ أو ترتيبات أمنية جديدة.

كما قد يشمل النقاش قضايا الطاقة في الشرق الأوسط، إذ تظل روسيا لاعباً مؤثراً في أسواق النفط والغاز، في حين تمتلك الولايات المتحدة نفوذاً قوياً على البنية الأمنية في المنطقة. هذا التداخل بين المصالح يفتح المجال لمقايضات تتجاوز أوكرانيا إلى ملفات حساسة تمس أمن الخليج، والتوازنات في شرق المتوسط، وربما حتى مسار التطبيع العربي الإسرائيلي.

ويبقى القول، إن قمة ألاسكا ستكون اختباراً لقدرة كل طرف على تحويل أوراق الضغط إلى مكاسب، لكنها أيضاً اختبار لمدى استعداد العالم لتحمل ارتدادات لعبة الشطرنج الجيو-سياسية بين موسكو وواشنطن. ففي ظل غياب رؤية مشتركة لحل النزاعات، وتزايد استخدام الاقتصاد كسلاح، قد يكون أقصى ما يمكن أن ينتظره العالم من هذه القمة هو تجميد الأزمات، لا حلها، مع ترك الباب مفتوحاً لجولات جديدة من المساومة والصراع.

 

*باحث ومستشار سياسي

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 10/7/2026 10:45:00 PM
تعود مؤرخة الفن ثريا نجيم لقيادة اللوفر أبوظبي بعدما أسهمت في تأسيس رؤيته وتطوير مقتنياته، حاملةً خبرة دولية في الفن الإسلامي وإدارة المجموعات والمعارض.
المشرق-العربي 10/7/2026 10:20:00 AM
نشرت كتائب القسام مشاهد موثّقة وغير منشورة سابقاً ليحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، الذي قتل في 16 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2024 خلال اشتباكات مع قوة من الجيش الإسرائيلي في جنوب قطاع غزة.
المشرق-العربي 10/8/2026 12:06:00 PM
واشنطن تفتح باب تسليح الجيش السوري، وإسرائيل تفرض خطوطها الحمر. هل تدفع صفقات السلاح دمشق إلى حروب جديدة من لبنان إلى اليمن؟ ومن يملك القرار العسكري؟
النهار تتحقق 10/8/2026 2:51:00 PM
"الزمن يغيّر الملامح لكن لا يغيّر مكانته"، علّق مستخدمون على الصورة.