هل يكتمل انقلاب ترامب على بوتين؟

كتاب النهار 07-08-2025 | 04:15
هل يكتمل انقلاب ترامب على بوتين؟
يتدحرج الوضع الدولي والعلاقات بين الطرفين الروسي والأميركي الى حد الخطر الجدي. وفيما تنخرط دول أوروبية في حالة استنفار عسكري وسياسي، ويشتد الجدل داخل البيت الأبيض حول مآلات التصعيد الراهن، يشتد التساؤل عن مآلات الصراع داخل كواليس البيت الأبيض وفي ثنايا عقل ترامب.
هل يكتمل انقلاب ترامب على بوتين؟
هل ثمة وسيط قادر على إنزال الطرفين الروسي والأميركي عن الشجرة؟ (أ ف ب)
Smaller Bigger

بعد نهاية رئاسته الأولى، قام ترامب بحملة لتطويع النخب الرئيسية في الحزب الجمهوري التي لا تتوافق مع تصوراته السياسية، ليخرج من الحزب 700 شخصية من النخب الاستراتيجية التقليدية الجمهورية. بفضل ذلك تمكن من العودة الى البيت الأبيض من جديد.

عند عودته الى البيت الأبيض، وبما يتميز به من كاريزما واعتداد بالنفس، أحاط ترامب نفسه، بعدد من أنصاره المخلصين الذين يفترضون سلفاً أن قدراتهم ومعارفهم أقل منه أصلاً.

ومن جهته، قام السيد ماسك بتصفية طبقة كاملة من النخب في الإدارات المركزية المختصة، فيما لا تزال 90٪ من المناصب المركزية شاغرة. نجم عن ذلك انطباع قوي، غير معتاد، بانعدام الوزن ووحدانية الرؤية في الإدارة. تجلى ذلك بحالة من التوجس الشامل بين الإدارة والمؤسسات المركزية، انعكس بتباطؤ الأداء والتنسيق. وترافق أيضاً مع سلبيات على الصعيدين الخارجي والداخلي.

بالنسبة الى الموقف من روسيا – بوتين، تلاقي روسيا تعاطفاً من مناصرين أقوياء في البيت الأبيض. كانت على رأسهم تولسي غابرت، التي اصطفت دوماً على الجانب الآخر من المواقف الأميركية من الصين، الى كوريا الشمالية، وإيران، وسوريا، وليبيا.

ثم هناك ويتكوف وفانس. ويتكوف الصديق القديم لترامب، وبالطبع نائب الرئيس الأميركي فانس، اللذان يمكن نسبهما لتيارات المحافظين الجدد واللذان لا يخفيان تعاطفهما مع روسيا. بل يعتقد بعض شخصيات هذا التيار، أن روسيا حصن حصين لحضارة العرق الأبيض في مواجهة المشرق والصين.

بالمقابل، استبعد وزير الخارجية روبيو، الذي كان يفترض أن ينخرط مع فريق وزارته في التفاوض والتوسط في كل الملفات وبخاصة عملية السلام بين روسيا وأوكرانيا، في حين أوكل المحور الرئيسي لعملية التفاوض الى الصديق القديم ويتكوف.

لكن سرعان ما ظهر أن ويتكوف يجرجر أقدامه في مختلف الملفات الحساسة من غزة الى إيران وأوكرانيا، ليتبين أيضاً أنه لا يعرف أي شيء عن تلك الملفات. لذلك، قرر ترامب أن يحصر دور ويتكوف بدور المراسل في الملف الروسي، لينخرط مباشرة في التواصل مع الرئيس بوتين.

اعتقد ترامب أنه يقدم الى بوتين ما لا يمكن أن يقدمه له أي رئيس أميركي! بل كان يعتقد أنه تمكن من لي ذراع أوكرانيا وتحييد العامل الأوروبي المتوجس من روسيا، لذلك راهن بصورته كزعيم مقتدر، وتحدث بثقة عن قرب تحقيق السلام، ليس على منصات التواصل الاجتماعي فحسب، بل أمام العديد من الزعماء الدوليين، مفترضاً أن مقاربته وأسلوبه هما الطريقة الناجحة في العلاقات الدولية.

مدى أيار/ مايو وحزيران/ يونيو، فاوض ترامب بوتين طويلاً على الهاتف خمس مرات. وفيما كان ترامب يعتقد بثقة بقدرته على إقناعه بالتنازلات الهائلة التي انتزعها من الرئيس الأوكراني ومن أوروبا أيضاً، كانت روسيا في اليوم التالي لكل مكالمة، تشن هجمات بمئات الصواريخ والمسيرات على أوكرانيا. وهنا وصلت المفاوضات الى حافتها.

وبعد، في هذه الزحمة، كان هناك شخص قريب من الرئيس ترامب، ولد على الطرف الآخر من الستار الحديد - "تشيكيا"، وله انطباعات تاريخية سلبية عن روسيا، وتختلف تماماً عن أنصار روسيا في البيت الأبيض. ليس هذا الشخص خبيراً في العلاقات الدولية، لكنه مسموع. والأهم أنه لا يبدو أن ترامب يرغب في طرده! إنها زوجته ميلانيا، التي رأت أن بوتين يتلاعب بحسن نية زوجها.

ثم كانت المكالمة السادسة بين ترامب وبوتين. بحيث ترسخ الانطباع أن بوتين لا يتصرف بالقدر نفسه من حسن النية والحساسية. وانتهت المكالمة السادسة بامتعاض ترامب الشديد، وقرر إعطاء بوتين فرصة خمسين يوماً لإنهاء الحرب.

ثم، منذ بضعة أيام، اختصر المدة قائلاً ما معناه أن "المكتوب ظاهر من عنوانه"، "لأن فلاديمير بوتين كان يقول كل الأشياء اللطيفة (على الهاتف)، ثم كل شيء هراء!".

في هذه اللحظة وبعد يوم من الاجتماع مع بوتين، هدّد ميدفيديف بصلف بـ"اليد الميتة" وهي الاستراتيجية الروسية ليوم القيامة النووي التي تنطلق تلقائياً في حال شعور بالخطر!

ثم توالى التصعيد. ألغى ترامب مهلته لبوتين، وبدأ بسلسلة من التدابير ضد الاقتصاد الروسي، وبخاصة قطاع الطاقة، وأساطيل الظل لتصدير النفط نحو الهند والصين.

ثم، أعلن عن نشر غواصتين مزودتين رؤوساً نووية، قبالة السواحل الروسية. لترد روسيا بإلغاء التزامها المنفرد، عدم نشر الصواريخ النووية والقصيرة، والمتوسطة المدى في أوروبا.

وعاد ترامب ليعلن أنه يخطط لفرض تعرفة جمركية تراوح من 50 إلى 100٪ على كل شيء قادم من روسيا، وتعرفة أخرى بنسبة 50 إلى 100٪ على أي جهة أو شخص يشتري أي شيء من روسيا.

التفسير الذي يخرج به الاستراتيجيون الأميركيون أن بوتين لن يتوقف عن الحرب، ولن يشعر بالأمان ما لم تستعد روسيا سيطرتها الاستراتيجية التي كانت للاتحاد السوفياتي. يستدلون على ذلك من حقيقة أن روسيا تبدو مستعدة للتفاوض حول النقاط الأربعة الأخرى على جدول الأعمال الخامس أي الحرب الأوكرانية.

في هذه الحالة سيكون السؤال الأوروبي: أين سيرسمون الخط الأحمر لروسيا؟

أطلق التوجس الأوروبي من روسيا، عملية تحول عميقة، لاستعادة أوروبا وحدتها المتراخية، وإعادة هيكلة موقفها الاستراتيجي والأمني والعسكري. بل اندفعت فرنسا وبريطانيا لتصبحا رأس الحرب العسكرية الأطلسية، في انتظار أن تتمكن ألمانيا والسويد من اللحاق بهما لتحصين أوروبا.

بلغ التوجس الأوروبي من نيات بوتين أشده بإعلان دول البلطيق الثلاث مع بولونيا انسحابها من اتفاقية حظر الألغام الأرضية، لتبني تحصينات معقدة تشمل 600 مربض عسكري وحقول ألغام ممتدة على طول حدودها مع أوكرانيا وروسيا.

تدل ردة الفعل الحادة لترامب، على جرح كبريائه العميق. ولن يقبل أن يبدو مغفلاً أمام رفاقه الجمهوريين الذين تصاعدت احتجاجاتهم على سير المفاوضات مع روسيا، ولا أمام الزعماء الدوليين المترقبين.

يتدحرج الوضع الدولي والعلاقات بين الطرفين الروسي والأميركي الى حد الخطر الجدي. وفيما تنخرط دول أوروبية في حالة استنفار عسكري وسياسي، ويشتد الجدل داخل البيت الأبيض حول مآلات التصعيد الراهن، يشتد التساؤل عن مآلات الصراع داخل كواليس البيت الأبيض وفي ثنايا عقل ترامب.

السؤال الجوهري الأول الآن: هل ثمة وسيط قادر على إنزال الطرفين الروسي والأميركي عن الشجرة؟ ثم، من سيفوز في لعبة الفأر والقط في كواليس البيت الأبيض؟

ليبدو أن هذه الحرب ستمتد طويلاً! ولتصبح هذه الحرب الروسية - الأوكرانية الحلقة الرئيسية التي تضبط إيقاع الوضع الدولي الراهن بأكمله!