.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
سوريا لا تمتلك ترف الوقت، ولا ترف لعبة "ميكي ماوس" هذه المرة؛ فالديبلوماسية ليست لطيف الكلام وحسن الألفاظ، بل هي خيارات استراتيجية حاسمة...
لماذا احتاج براك وماكرون استدعاء الشيباني الى باريس من أجل تحذيره بوجود ديرمر؟
علق ديبلوماسي فرنسي سابق ومخضرم في الشأن السوري، على سؤالي: "لأنهم يظنون (في دمشق) أننا لا نعرف حقيقة ما يقولون ويفعلون". واستطرد ليشير إلى أنهم يعرفون بقدر مدهش كل ما تقوم به السلطات السورية، وكل ما تقدمه الديبلوماسية السورية لكل الأطراف الإقليمية والدولية من وعود وتسويفات تبدو غريبة لهم. وشبه لي هذه الديبلوماسية، بتاجر العقارات الذي يبيع الأرض الواحدة مرات عدة ليحصل موقتاً على العربون.
بدا لي لفترة أن الديبلوماسية السورية تتصرف كما لو أنها في حديقة، تقطف من كل بستان زهرة. في حين تذكرنا أحداث الشرق الأوسط، بأن رائحة هذا الإقليم أشبه بكثير برائحة ساحات الحرب منها لحدائق الزهور والياسمين.
المبدأ في الصراع الراهن: أن من يهيمن على دمشق، يهيمن عملياً على لبنان والأردن وربما العراق. ومع الانكشاف الاستراتيجي للسيادة السورية، تتصالب الرماح على صدرها وتدميها.
بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، لم تعد إسرائيل تقبل أقل من فرض أمنها بيديها، بعيداً من أي تعهدات أو وكالات لأي كان. لذلك امتعضت إسرائيل من وجود تركيا في باكو، وفرضت استبعادها في باكو الثانية ثم باريس؛ إذ لا يبدو أن إسرائيل ستسمح بوجود جيش سلفي جهادي، معبأ ومسلح ومدرب تركياً على حدودها. بل إنها تصر على أن تدبر أمرها أمنياً واستخبارياً ومعلوماتياً داخل الأراضي السورية بيدها هي. وهذا هو الدافع الإسرائيلي الجوهري في المفاوضات.
وفي المقابل تجد تركيا أن من حقها تكريس نجاحاتها الإقليمية والسورية، والحصول على تفويض أميركي يفسح لها، تبني التعافي السوري. ورغم الذرائع المعلنة، لا تبدو ذريعة الكرد معتبرة لدفع الحكومة لحسم الوضع شرق الفرات. ذلك أن تركيا مضت في مصالحة كردها ومنحهم حقوقاً دستورية، ولا مركزية شرق تركيا. كما لا يتعلق الدافع التركي بالمنافع الاقتصادية، إذ يحتاج الاقتصاد السوري في أفضل تقديرات الأمم خمسة عشر عاماً أو عشرين، ليصبح موازياً لاقتصاد محافظة تركية واحدة.
القضية إذاً استراتيجية؛ فبعد استتباب نفوذها وسط آسيا وفي القوقاز والبحر الأسود، سيعني ترسيخ النفوذ في سوريا، الإمساك بدور وسيط القوة الحاكم إقليمياً، في قلب العالم.
لذلك، لا تنظر تركيا بارتياح الى احتمالات وقف نار مستدام تفرضه إسرائيل في حالة الضعف السوري الشديد. ونحن لا نتوقع بالتالي انفراج التنافس الإسرائيلي - التركي، في المدى القريب، إلى أن يتخذ التغيير العميق الجاري في الإقليم أبعاده النهائية، ليتيح فرصة لتقسيم العمل والثروات بينهما.
أوروبا، وبعد تداعي العولمة وتراجع شعورها بالأمان، تذكرت فضاءها الحيوي شرق المتوسط. تجد أوروبا نفسها في تناقض استراتيجي مع التوجهات البريطانية والتركية التقليدية، في ما يتعلق بخطوط الهيمنة الإقليمية والبحرية شرق المتوسط.
وتعتقد فرنسا أنها تمتلك أوراقاً ومصالح إضافية عديدة على الساحة السورية. فبالإضافة الى علاقتها التاريخية بمختلف المكونات وبخاصة الكرد، فإنها تبدي قلقها من انفلات الوضع الداخلي السوري، وتشعر أنها يمكن أن تكون مفيدة للسياسة الأميركية التي يمزقها التناقض التركي - الإسرائيلي.
كذلك تتخوف بلا شك من تداعيات الوضع السوري على لبنان وصعود القوى السلفية الجهادية والنفوذ التركي في طرابلس، في مناخ لبناني متفجر بسبب الضغوط لنزع سلاح "حزب الله".
قُرعت أجراس الخطر في باريس جراء التحركات التركية. وحمل الاجتماع "الافتراضي التعارفي"، الذي عقد منذ بضعة أسابيع، بين الرؤساء السوري واليوناني والقبرصي واللبناني والرئيس الفرنسي إشارات واضحة الى هذه الخطوط الحمراء، في ما خص شرق المتوسط وثروات الطاقة ودور تركيا. ومن جهة أخرى اشتد أخيراً بقوة، توتر الحبال التركية والإسرائيلية والفرنسية-الأوربية. وتصاعد التوتر التركي بسبب الضغوط التي تعرضت لها دمشق للموافقة على الشروط الإسرائيلية في مفاوضات باكو.
لكن مذابح السويداء كانت الشعرة التي قصمت ظهر البعير، والبعير هنا هو الثقة بقدرة الحكومة السورية على امتلاك المبادرة للسيطرة على العناصر المنفلتة وإدارة السلم الأهلي، والتفاوض لتحقيق الشروط الخمسة التي طرحها الرئيس ترامب في الرياض، وبخاصة تلك المتعلقة بإسرائيل، والمصالحة مع المكونات توصلاً الى عقد اجتماعي جديد يستوعب طوعاً كل السوريين.
تفاقم الشد بين الطرفين التركي والإسرائيلي، أيضاً بتدخل القوات الإسرائيلية لدرء الهجوم على جبل العرب. وزاد الطين بلة ما تحدثت عنه الأوساط الإسرائيلية عن وجود خبراء أتراك يوجهون المسيّرات التي قصفت القوات المناهضة لحكومة دمشق والتي كادت أن تحتك بالقوات الإسرائيلية.
هنا بدأنا نلاحظ تمايزات بين الحراك الذي يقوم به براك وبين توجهات وزير الخارجية، بومبيو، حيال الحكومة السورية، وحيال الوضع في لبنان. فبغض النظر عن التصريحات الجميلة التي تسم مواقف براك من الحكومة السورية، فإن التريث والشك هما سيدا الموقف في واشنطن.
ومن جهته، قفز الرئيس ماكرون ليقنع الإدارة الأميركية بخطر منح التفويض المفتوح لتركيا، وخطر منح البطاقة البيضاء للحكومة السورية قبل التأكد من قدرتها على السيطرة على البلاد وتحقيق شروط ترامب. بل سرع من هذه القفزة شعور فرنسا باحتمال حصول صدام إسرائيلي - تركي في مناخ دولي شديد التعقيد.
كان اجتماع باريس بين ديرمير الوزير الإسرائيلي الموثوق، ووزير الخارجية الفرنسي والمبعوث براك والوزير الشيباني، بمثابة تحذير حرج للحكومة السورية، أساسه ربط القول بالفعل، ركنه الأول تركيا والثاني العقد الاجتماعي الجديد بين كل السوريين.
رغم الموافقة السورية على منطقة عازلة واسعة خالية من المقاتلين، ورغم الاتفاق على التنسيق الأمني والعسكري، في مقابل الانسحاب الإسرائيلي من بعض المناطق التي احتلتها بعد سقوط الأسد، ثمة حديث عن استمهال سوري لترتيب بعض الأوضاع الداخلية، واستمهال لرسم خطوط العلاقة السورية-التركية... لكن من المؤكد أن اللقاء كان شديد الحراجة.
خلال مفاوضات السلام قال بشار الأسد للوفد المفاوض: "إنها لعبة ميكي ماوس، المهم أن يخرج الطرف الآخر من الاجتماع متفائلاً من موقفنا، بعدها يمكن ألا نتذرع بأعذار طارئة.
خشيتي أن سوريا لا تملك ترف الوقت، ولا ترف لعبة "ميكي ماوس" هذه المرة! فالديبلوماسية ليست لطيف الكلام وحسن الألفاظ، بل هي خيارات استراتيجية حاسمة، ينبغي أن تستند لا مناص الى البعد العربي. سوى ذلك، كلها توافقات واتفاقات مبنية على توجه سلمي حيادي، وصدقية الفعل قبل القول.
...من دون بعدها العربي تكون سوريا في مهب الريح، ووقت صار الوضع الإقليمي في كف عفريت.