توازن صعب ومزدوج

كتاب النهار 16-07-2025 | 04:08
توازن صعب ومزدوج
تجد مصر نفسها اليوم أمام دور موازن بين حليفين: حفتر شريكها الاستراتيجي غرباً، والبرهان حليفها جنوباً، وعليها أن تمنع تصادمهما على نحو يضر بأمنها هي أولاً.
توازن صعب ومزدوج
القاهرة تتحرك بحذر على خط التوتر السوداني الليبي.
Smaller Bigger

في صباح يوم شديد الحرارة من حزيران/ يونيو الماضي بدا المثلث الحدودي عند تلاقي السودان ومصر وليبيا هادئاً كعادته، لكن تحت هذا السكون كانت نار صراع مكتوم توشك الاشتعال. فقد شهد ذلك اليوم اشتباكاً خطيراً حين توغّلت وحدة من كتيبة “سُبل السلام” السلفية التابعة للجيش الليبي الذي يقوده خليفة حفتر مسافة 3 كيلومترات داخل الأراضي السودانية قرب جبل العوينات. واصطدمت هذه القوة الليبية مع عناصر سودانية من "القوة المشتركة" مدعومة بقوات من الجيش السوداني. تلا ذلك انتشار تسجيل مصوَّر يظهر أحد قادة قوات الدعم السريع (الجنجويد) وهو يأمر عناصره بالانسحاب من داخل الأراضي المصرية مؤكّداً لهم: "هذه ليست أرضنا ". لم يكن هذا الاشتباك مجرد حادث معزول أو خطأ ميداني، بل جاء كمؤشر صريح إلى التداخل الجغرافي والعسكري لخطوط التماس بين السودان ومصر وليبيا، وانزلاق الصراع السوداني الداخلي إلى رقعة إقليمية أوسع. 

يُعتبر المثلث الحدودي الواقع بين مصر وليبيا والسودان (قرب حدود تشاد الشمالية أيضاً) من أكثر النقاط الجغرافية حساسية في المنطقة. تاريخياً هو معبر سهل لشبكات التهريب والجماعات المسلحة العابرة للحدود. بعد سقوط نظام القذافي عام 2011 تحول إلى بؤرة للفوضى الأمنية، تتقاطع فيها طرق تهريب السلاح والذهب والمهاجرين غير النظاميين، فضلاً عن تهريب المخدرات الدولي. 

تضع التطورات في المثلث الحدودي مصر في موقف شديد الحساسية، إذ تجد القاهرة نفسها أمام تناقض معقد: فمن جهة تتمتع بعلاقة وثيقة مع المشير حفتر وترى فيه حليفاً مهماً لاستقرار شرق ليبيا وتأمين حدودها الغربية، ومن جهة أخرى تدعم الجيش السوداني بقيادة البرهان باعتباره السلطة الشرعية وحائط الصد أمام فوضى السودان التي قد تمتد إلى حدودها الجنوبية. والآن يأتي خبر تورط قوات محسوبة على حفتر في مساندة عدوّ الجيش السوداني (الدعم السريع) ليضع القاهرة أمام اختبار صعب ومزدوج.

تعتبر مصر أمن حدودها الجنوبية مع السودان أولوية قصوى في استراتيجيتها الأمنية. وقد سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي التحذير مراراً من أن انهيار الدولة في السودان أو تمدد الميليشيات المسلحة هناك يمثل تهديداً مباشراً لمصر. من هذا المنطلق، أزعج القاهرة بشدّة مشهدُ اشتباكات عسكرية على تخومها الجنوبية تشارك فيها قوات ليبية حليفة لها إلى جانب ميليشيا سودانية تعتبرها القاهرة خطاً أحمر منذ بداية الحرب.