أدهشت نفسي، حين قرأت ما كتبت عن إيران والإقليم!

كتاب النهار 13-07-2025 | 06:14
أدهشت نفسي، حين قرأت ما كتبت عن إيران والإقليم!

يلاحظ بشكل لافت صعود الخطاب العقائدي القومي الإيراني كبديل من الخطاب العقائدي الديني، وتعزيز قيم الدولة القومية بديلاً من الدولة الميليشيوية، لتصبح قضية إعادة تعريف الدولة وتحصين دفاعاتها وبنيتها الاقتصادية هي العناصر الحاكمة للسجال الراهن.

أدهشت نفسي، حين قرأت ما كتبت عن إيران والإقليم!
تستمر إيران بإنفاق بعض الموارد على أذرعها لكنها تقترب من فطامهم وتركهم يسترزقون بأنفسهم. (أ ف ب)
Smaller Bigger

بعد حرب الـ12 يوماً، وأنا أراجع بعض مقالاتي، التقطت مقالاً كتبته في صحيفة "النهار العربي" العتيدة، بتاريخ 26 نيسان / أبريل 2023 بعنوان "على قعقعة السلاح ترقص إيران وإسرائيل". وشعرت بدهشة غامرة! فلقد كانت أحداث حرب "الـ12 يوماً" حاضرة وتقرع الباب بشكل مدهش وصارخ. كتبت ذلك قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر وقبل مغامرة حسن نصر الله في لبنان.

كتبت في حينه "يجب أن تكون أصماً، كي لا تسمع قعقعة السلاح في الإقليم. وعلى إيقاع السلاح، قد يطيش حجر أو تتوه بوصلة. الموضوع يتجاوز بكثير حيثيات غزو أوكرانيا. ثمة مرجل يغلي في الإقليم، وتحولات عميقة تقرع الباب".

وكتبت أيضاً: "وإذ يتجدد الوهم العتيق والساذج بانسحاب الغرب من الشرق الأوسط، يكفي أن ننظر لخرائط توزع القطع البحرية الغربية في المتوسط والأحمر، والخليج وبحر العرب، كي ندرك أن لا أساس لهذا الكلام. فكما في الخمسينات، انسحب الاستعمار لكن لم يتبدل في الهيمنة الغربية والأميركية إلا نمطها، لتبقى حاضرة وازنة ومأسوية".

لن تنزل الولايات المتحدة على الأرض في إقليمنا، إلا في الحالات القصوى، وإن فعلت فبشكل ضيق ونوعي وموقت. وما لم تتعرض هيمنتها على الإقليم، وخطوط التجارة العالمية، فستبقى تدير الصراعات عن بعد، بالرضى، أو بالضغوط، أو بالشراكة، أو التحالفات... إلخ، سمها ما شئت! لكنها ستستمر. وإذ تنهار من دون رجعة لعبة توم وجيري التي حكمت الساحة بين إسرائيل وإيران، ليبقى الصراع على لهب مخفوض، من دون حسمه إطلاقاً! فكم هي واهية الحبال التي يقف عليها الإقليم.

إذاً، في مناخ دولي وإقليمي من الهدوء الرخو، وإقليم لا ينقصه الحمقى، تنهار تكتيكات ضبط الصراع الهشة ومن دون أي حلول بديلة. كلا الطرفين يحلمان بانتصار في المعركة المقبلة، كي يفك استعصاء موقفه! وكلاهما لم يعد يملك إلا الحلول القصوى! و"تكون أخطر اللحظات حين تصبح اللعبة حاسمة". (انتهى الاقتباس).

نعم كان واضحاً أن اللعبة بين إيران وإسرائيل ستصبح فعلاً مباشراً وقريباً لا محال. وكما في "قصة موت معلن" لماركيز، كان الأمر معلناً لكن الكل كان ينكره. الكل يعرف، لكن الحماقة والقدرية العقائدية و"الجمود على الموجود" كانت تعمي بصيرة القادة والنخب.

شكل انهيار نظام الأسد البائد، انقطاعاً لوتر "كعب آخيل" وإغلاقاً لسيرة الأذرع، وانهياراً لخريطة النفوذ الميليشيوي الإيرانية. ورغم كل تلك المؤشرات، تُركت الصخرة تتدحرج وصولاً لطهران.

لا تعكس هذه التحولات العميقة إلا جزءاً يسيراً من التحولات القادمة والمنتظرة في طهران. لتبدو اللوحة الدرامية بحق!

التحول في إيران حتمي يقرع الباب بقوة. وثمة مقومات أن يتم بشكل تدريجي وتراكمي لكن ثمة احتمالات أن يتم بشكل عاصف. وفي حين لن يكون ثمة "ربيع" إيراني منتظر ولا انقلاباً كما تروج الدوائر الغربية والإسرائيلية. وإذ الصدمات الارتدادية داخل المجتمع، فإن القوى والنخب المجتمعية والسياسية والعسكرية والسلطوية تشحذ أدواتها. احتمالات التحول الطري التدريجي كبيرة، لأن النظام الإيراني لا يصنف كحكم دكتاتوري (مثل الأسد أو كيم جونغ أون) وإنما هو نظام شمولي تحكمه نخبة عقائدية شمولية.

يتمحور الجدل بين النخب الإيرانية عند مخاطر الانكشاف الاستراتيجي الجوهري للدولة -الأمة الإيرانية. ويمتد لمقاربة تداعي العقيدة العسكرية المستندة إلى "تصدير الثورة" والرهان على الأذرع الولائية لتكون خنادق متقدمة، ليس لتحرير فلسطين بالطبع، بل أقله، للدفاع عن طهران بؤرة الثورة الإسلامية وموئل ولاية الفقيه. لكن يتبقى ثمة احتملات لانعطافات حادة بسبب تحكم الباسدران بمقدرات مالية رئيسية في الاقتصاد.

على المستوى الرئاسي، تطرح بشكل متواتر سيناريوهات تراوح من الحديث عن دور مجتبى خامنئي إلى مجلس جماعي من الأئمة الكبار، وصولاً الى مجلس رئاسي أو الى مجلس عسكري إلخ.

بل تبدو إرهاصات تحولات في الهيكلية العقائدية الحاملة منظومة الولاء حول جدوى "تصدير الثورة" بينما يصل "التهديد الى عقر طهران"، وضرورة مراجعة التموضع الإقليمي لطهران وتحالفاتها ضمن شبكة أولوياتها الإستراتيجية.

تقف طهران أمام خيارين حادين: فإما تقرر الاستمرار في لعبتها الخائبة وشراء الوقت وإطالة التفاوض والمخاطرة بانحدارها تدريجاً الى حال شبيهة بعراق 1991، وإما أن تتمكن إيران بالقطع مع ازدواجية الدولة وحكم الميليشيات، والقطع النهائي مع ذاك الهراء الخائب لاستراتيجية زرع الأذرع الإقليمية، وإعادة بناء الجيش استناداً للعناصر الحقيقية للقوة والأمن القومي المعاصر وتسريع التنمية الاقتصادية الحضارية.

يلاحظ بشكل لافت صعود الخطاب العقائدي القومي الإيراني كبديل من الخطاب العقائدي الديني، وتعزيز قيم الدولة القومية بديلاً من الدولة الميليشيوية، لتصبح قضية إعادة تعريف الدولة وتحصين دفاعاتها وبنيتها الاقتصادية هي العناصر الحاكمة للسجال الراهن.

لم يحسم هذا لصراع بعد! إذ يقف على المقلب الآخر جيل قديم وبيروقراطية عسكرية ميليشيوية متجذرة ومنتفعة، تتعيش على العصبية الدينية الشيعية وتحاول العودة الى منطق بناء "فروع الثورة الإيرانية" حتى النصر. لكني احسب أن الكفة ستميل لمصلحة التيار القومي الإيراني، لا مفر.

خلال سبعينات القرن الماضي، استمر الاتحاد السوفياتي في دعمه الفولكلوري للأحزاب الشيوعية، في حين أدركت النخبة السوفياتية الصلبة نهاية الحقبة العقائدية. لذلك يحتمل أن تستمر إيران في إنفاق بعض الموارد على أذرعها، لكنها تقترب من فطامهم لتتركهم يسترزقون بأنفسهم. ولا يبدو لنا أن إيران مستعدة الآن لاستثمار المليارات من جديد على الفوعة الخائبة لأذرعها.

سيكون لهذا السجال والتحول المحتمل، أثر كبير في سوريا ولبنان وفي سياسة إيران حيالهما. وبعد هذه التطورات، يصعب أن نتصور أي سيناريو عملي وواقعي، يتيح عودة الفوعة الإيرانية في سوريا أو لبنان، بل يجري، في المراجعات الراهنة، جدل حول ضرورة قيام توافقات جديدة مع الدول العربية و تركيا التي تشترك جميعاً مع طهران في التوجس والغضب من التسييد الإسرائيلي المستشري.

في زيارتي الأولى لطهران، اكتشفت كم هي غشيمة صورتان نمطيتان عن هذا الشعب العريق. صورة شيطانية في العداء، تقابلها من جهة أخرى، صورة ساذجة في الموالاة والتأليه والقدسية. فإضافة الى البعد الثري للثقافة، ثمة مجتمع ذو شكيمة حقيقة ونخب تتمتع بثقة بالنفس. وجيل Z لم يعد خجولاً، ولا خانعاً كما بدا إبان ثورة "الإصلاح"، بل جيل يعرف ما يريد.