.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
تراجع اليسار في بريطانيا منذ تسعينيات القرن الماضي تدريجياً أمام زحف الليبراليين الجدد وقوى اليمين ويمين الوسط. وإذ أخفق في استثمار صعود جيرمي كوربين زعيم حزب العمال السابق لتعزيز موقعه، فقد عانى بعد انتخابات 2019 مزيداً من التضييق والإلغاء. لكن تغيرات عميقة تشهدها البلاد تغري أنصاره بمحاولة لعب دور فاعل من جديد، والوقوف في وجه الشعبويين الذين يربحون الرهان فيما الأحزاب التقليدية تخسر باضطراد.
حزب العمال الذي مزقته الإيديولوجيا مرّ بتحولات تكاد تجعله أحزاباً: العمال القديم، والجديد، والأزرق. ويُضاف إليها، الحزب الحاكم بزعامة كير ستارمر، الذي يؤخذ عليه افتقاره للرؤية الواضحة، ومنافسته الإصلاح في الشعبوية. ويذهب العمال الأزرق إلى أبعد من الجميع في جنوحه نحو اليمين، إذ ينسق مع دعاة "ماغا" الترامبيين. هكذا فإن الحزب الذي كان اشتراكياً ويسارياً ذات يوم، صار يباري خصومه في تبني سياساتهم!
هذا الواقع المرّ حفّز اليساريين على التداول للبحث عن "بديل تقدمي لهذا النظام المعطوب"، على حد تعبير كوربين. ولم يكن مفاجئاً الحديث أخيراً عن الجهود الرامية لتشكيل حزب يساري جديد، فالهمس حولها يدور من أشهر عدة. إلا أن توقيت الإعلان عن قرب ولادة هذا الحزب من قبل النائبة زارا سلطانة، 31 عاماً، التي كشفت أنها ستكون زعيمته المشاركة مع كوربين، أدهش الكثيرين.
لم تشهد بريطانيا ولادة حزب من هذا النوع استطاع أن يستمر منذ تأسيس حزب العمال قبل 125 عاماً. وعليه فنجاح المشروع لن يكون سهلاً بطبيعة الحال، والقفز إلى النتائج قبل أن يُحسم الجدال حول التفاصيل، يزيد الأمر صعوبة. وعلى أي حال، سيواجه الحزب الوليد تحدياً خطيراً لجهة تأثيره على أطراف "صديقة"; فهو سيلحق الضرر بحزب الخضر التقدمي و بالعمال, ولا يستبعد أن ينتزع نحو 10 في المئة من أصوات ناخبي اليسار. وشق صف الناخبين التقدميين سيصبّ في مصلحة حزب الإصلاح.
في المقابل، إن طرح المشروع في حد ذاته يمثل لحظة فارقة. فهذه هي المرة الأولى التي يكون فيها سياسي مسلم مرشحاً لزعامة حزب قد يفرض نفسه على الساحة. وسلطانة الباكستانية الأصل نائبة مجتهدة دأبت على خدمة المحرومين. وبفضل عمرها ولونها وخلفيتها الدينية، تبدو مؤهلة لتكون جسراً بين الحزب الجديد وكتل انتخابية مؤثرة، وخصوصاً أن عدد المسلمين في بريطانيا يقترب من 4 ملايين نسمة.
بطش ستارمر برفاقه اليساريين، فطرد سلفه كوربين وآخرين، وهمّش الباقين. وتضغط غزة بشكل متزايد على الضمير البريطاني الذي رزح تحت وطأة صور مأساتها من ثلاث سنوات. وثمة شعور واسع بالإحباط من تجاهل الحكومة عملياً لغزة وتواطئها مع إسرائيل!
في هذه الأثناء، تتفاقم الأزمات في ظل زعيم عاجز عن تحقيق التغيير الموعود. وبات غير مرغوب به لدى ثلثي الناخبين بحسب استطلاع أخير للرأي. أُجبر على التراجع عن العناصر الجوهرية في مسودة قانون الرفاه الاجتماعي بعدما أساء إدارة محاولة تمريره. وفي جلسة المناقشة البرلمانية المتوترة، بدت راشيل ريفيز وزيرة المالية تبكي بصمت في لحظات انكسار. وباعتبار أن البكاء العلني للشخص الثاني من حيث الأهمية في الدولة غير مسبوق في تاريخ بريطانيا، فهل بلغت هذه مستوى من الضعف لم تصله أي حكومة أخرى؟
لهذا كله يشعر اليساريون أن الواجب يقتضي منهم كمواطنين مخلصين مساعدة البلاد عبر حزب جديد. وإن استطاعوا المضي في مغامرتهم الثانية هذا القرن بشكل مدروس فقد يحققون بعض النجاح في إعادة خلق أنفسهم والالتحاق بركب التغيير قبل فوات الأوان!