.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
رأيت سر الصورة النمطية السلبية عن السائح الإسرائيلي في تايلاند، والتي تتكرر في وجهات متنوعة، كالفلبين واليونان وبيرو...
تأخرت سيارة الـ"بيك أب" المكلّفة إعادتنا إلى المدينة بعد انتهاء جولتنا بالدراجات النارية في غابات جزيرة "بوكيت" التايلاندية. وللأمانة، لم أعاني مطلقاً لتزجية الوقت حتى تصل السيارة، فقد قدم إلينا منظمو الجولة الكراسي والمياه الباردة، ووجدت نفسي محاطة بالطبيعة الغنّاء، والطيور والفراشات، فطفقت أستمتع بالظل، وأتناول الفاكهة. وكل بضع دقائق، كان يمر فيل ضخم مع سائسه، أو دفعة أخرى من راكبي الدراجات النارية، فألوح لهم بخفة روحي المعتادة التي لا تحضر سوى في الإجازات.
وصلت الـ"بيك أب" محفوفة باعتذارات السائق التايلاندي، ومحاولاته الحثيثة مراضاتنا رغم قصر مدة التأخير، ولطافة الأجواء التي انتظرناه فيها. ولكن مجموعة من السائحين انفجرت على السائق بصورة لا تتناسب وطبيعة "الجرم" الذي ارتكبه، فحاصروه بوجوه غاضبة وقبضات مضمومة، وراحوا يصرخون عليه بنبرات مرعبة، ويوبخونه بفظاظة، وربما يقذفونه بالشتائم. ولمضاعفة إذلاله العلني، فلم يفهم الرجل التايلاندي اللغة التي أُهين بها... ذلك لأنها كانت العبرية.
رأيت يومها سر الصورة النمطية السلبية عن السائح الإسرائيلي في تايلاند، والتي تتكرر في وجهات متنوعة، كالفلبين واليونان وبيرو. من قبل حتى الحرب الوحشية على غزة، خلّف السائح الإسرائيلي بصمة أدت إلى التعميم على بني قومه بأنهم استغلاليون، بخلاء، نزقون، وقحون، انتقاديون، متعجرفون، عنصريون، غير منضبطين، غير محترمين للقوانين والأعراف، وبأن "على رؤوسهم ريشة"، فلا حتى يلتمسون العذر للآخرين.
رأيت يومها لماذا ارتفعت لافتة "يُمنع دخول الإسرائيليين" في أحد مطاعم تايلاند أو حاناتها، واستوعبت من أين استقى التايلانديون الدمثون عموماً هذه الجرأة.
ورحت أتساءل: إذا باتت شعوب العالم تلفظ سائحي الشعب الذي ابتزها عاطفياً بالمحرقة حتى جعل من مجرد انتقاده مرادفاً لمعاداة السامية والكراهية، فماذا سيحدث بسائحينا لو لم يتغيروا؟
عاد الصيف، وعاد نفير الخليجيين هرباً من الحر. وستعود أيضاً المظاهر التي تقتلني خجلاً في كل عام: السياح الخليجيون الذين يزعجون الخليقة بمحركات سياراتهم الرياضية، والذين يعيث أطفالهم فساداً في المرافق والأماكن العامة، والذين يسيئون الى مقدمي الخدمات، والذين يخيّمون حيث لا يحق لهم التخييم، والذين يذبحون الخراف في دول تحظر هذه الممارسات، والذين لا يراعون معتقدات الآخرين وأساليب حياتهم، والذين يتوهمون بأن نساء الدول المستضيفة يستمتن للزواج منهم، والذين يرمون القاذورات، والذين ينتهكون خصوصيات الغرباء بتصويرهم والاستهزاء بهم مستغلين اختلاف اللغة.
إنها عقلية "بفلوسي" الصبيانية التي يبدو أن بعض سياحنا يتشاركونها مع "أبناء العمومة". إنه الوهم المقزز ذاته بالاستحقاقية، وكأنما الشعوب المستضيفة مضطرة الى تحمّلنا كيفما أتينا.
ونحن –"يا الربع"- لا نتمتع بالحصانة التي وفّرتها "الهولوكوست" للسياح الإسرائيليين، ولا نستطيع التلويح بمظلوميتنا التاريخية منذ فرعون ونبوخذنصر. فإذا تحرر العالم من ربكته أمام "شعب الله المختار"، ولم يعد يهاب إيقافه عند حده، فمن الحري بنا ألا نتمادى، وإلا ستُستبدل اللافتة بأخرى تقول "يُمنع دخول الخليجيين".