.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
وقف إطلاق النار الأخير، الذي جاء بعد اثني عشر يوماً من التصعيد المباشر بين إيران وإسرائيل، بوساطة قطرية وتنسيق أميركي، لا يحمل ملامح “اتفاق سلام”، ولا حتى “تفاهم سياسي”، بل أشبه ما يكون بـ”خروج طارئ مشرف” من مواجهة انفلتت من قواعد اللعبة التقليدية.
عندما تعلن ثلاث دول في ذروة المواجهة، إيران، إسرائيل، والولايات المتحدة، التوصل إلى وقف إطلاق نار، دون اتفاق مكتوب، وفي ظل تبادل اتهامات بالخروقات، فإن السؤال الأهم لا يكون: من انتصر؟ بل: من أنقذ ماء وجهه؟ وهل تحقق هذا الهدف بالفعل؟
وقف إطلاق النار الأخير، الذي جاء بعد 12 يوماً من التصعيد المباشر بين إيران وإسرائيل، بوساطة قطرية وتنسيق أميركي، لا يحمل ملامح “اتفاق سلام”، ولا حتى “تفاهم سياسي”، بل أشبه ما يكون بـ”خروج طارئ مشرف” من مواجهة انفلتت من قواعد اللعبة التقليدية. ولعل أهمية هذا الوقف لا تكمن في ما تم الاتفاق عليه فعلياً، بل في ما حاولت كل دولة أن تُقنع به جمهورها ونفسها.
بالنسبة لإيران، فإن صواريخها التي ضربت أهدافاً داخل إسرائيل، وبالأخص الضربة النوعية على مبنى كبير في بئر السبع، كانت بمثابة رسالة مزدوجة: إثبات القدرة، وفرض الثمن. رغم الخسائر التي تكبدتها، بما في ذلك اغتيال العالم النووي محمد رضا صديقي، حرصت طهران على تسويق صورة “الردع الفعّال" و”الانتصار المفروض على العدو”.
لكن وقف إطلاق النار جاء في لحظة بدا فيها أن هامش المناورة بدأ يضيق، خاصة بعد توسيع رقعة الأهداف الإسرائيلية، واستهداف القاعدة الأميركية في “العديد”، ما فتح احتمالات مواجهة مع واشنطن، وهو ما لا تريده طهران الآن. وبالتالي، كان القرار بوقف إطلاق النار وسيلة لكبح التصعيد دون الانكسار العلني.
رسمياً، روج الإعلام الإيراني لفكرة أن “العدو طلب الهدنة”، وأن الجمهورية الإسلامية فرضت شروطها من موقع القوة. أما عملياً، فاضطرت إيران لامتصاص الهجوم الأميركي الإسرائيلي المشترك، وتفادي المزيد من الخسائر، مع الحفاظ على سردية “الصمود”. اختارت ايران "النصر الرمزي" بديلاً عن "الرد الانتحاري".
أما إسرائيل، التي بدأت الحرب باغتيال شخصية إيرانية في سوريا، وردت على الرشقات الصاروخية الإيرانية بقصف واسع، فقد وجدت نفسها أمام معادلة مقلقة: كلما وسّعت ضرباتها، توسّعت الردود الإيرانية، إلى درجة تهديد جبهتها الداخلية لأول مرة بهذا الحجم من الدمار.
الضربة على بئر السبع، وصواريخ “خيبر”، دفعت تل أبيب إلى التفكير مرتين قبل الاستمرار. صحيح أنها اغتالت أحد علماء إيران النوويين قبل ساعات من وقف إطلاق النار، ولكن التوقيت نفسه يوحي برغبة في “ختم” الحرب برمز انتقامي، وليس بمواصلة القتال.
نتنياهو أعلن وقف إطلاق النار بنفسه، رغم أنه فوجئ برشقات إيرانية لاحقة كادت تدفعه للتراجع. كان بحاجة إلى “صورة نهاية” يمكن بيعها للجمهور الإسرائيلي على أنها إنجاز: ضربنا، واغتلنا، وأوقفنا التصعيد بشروطنا. لكنه يدرك أن التهديد لم يُستأصل، بل فقط تأجل. وهكذا اكتفت إسرائيل بالدعاء بالحسم تفادياً لتصعيد غير مضمون العواقب.
بالنسبة لواشنطن، فقد كان المشهد أعقد. الضربة الإيرانية على قاعدة “العديد” في قطر، وهي قاعدة أميركية استراتيجية، وضعت إدارة ترامب في موقف حساس. في الداخل، كان الكونغرس يستعد لطرح مشروع قانون يلزم الرئيس بسحب القوات من أي حرب مع إيران. وفي الخارج، كانت صورة الولايات المتحدة على المحك: هل تردّ؟ أم تهادن؟ أم تتوسط؟ حتى لو كانت الضربة متفقاً عليها.
ترامب اختار الحل الوسط: تجنّب التصعيد، طلب وقف إطلاق النار عبر قطر، وادعى أنه “صانع السلام”. في بيانه على منصة “تروث سوشال”، احتفل بالاتفاق باعتباره إنجازاً شخصياً حال دون “تدمير الشرق الأوسط”، بلغة دعائية تهدف إلى كسب الرأي العام المحلي في سنة انتخابية مشحونة.
لكن الحقيقة أن الإدارة لم تكن مستعدة لحرب شاملة مع إيران، ولا تريد فتح جبهة جديدة في ظل انشغالات داخلية ودولية. ولذلك، جاءت الهدنة بمثابة “خروج آمن” من مأزق معقد.
يظل السؤال، هل نجحت عملية حفظ ماء الوجه؟ على ما يبدو فإن وقف إطلاق النار جاء ليمنح كل طرف روايته الخاصة. إيران تقول إنها انتقمت وفرضت الشروط. إسرائيل تؤكد أنها ضربت ثم توقفت من موقع القوة. الولايات المتحدة تسوّق نفسها كراعية الاستقرار وصانعة الاتفاق.
من الذي انتصر بعد إعلان اتفاق وقف اطلاق النار بين إيران وإسرائيل؟ هل يمكن اعتبار الاتفاق انتصاراً لأي من الأطراف، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية؟ المتابع بتمعن يدرك أن الاتفاق لم يكن انتصاراً لأي طرف بقدر ما كان تجنباً للهزيمة. لا أحد خرج منتصراً فعلياً، لكن الجميع نجا من تصعيد كان يمكن أن يتحول إلى حرب إقليمية كارثية.
تحققت معادلة محاولة “حفظ ماء الوجه” نسبياً، لكنها جاءت بتكلفة عالية، وهشاشة واضحة. فبدون اتفاق مكتوب، أو ترتيبات أمنية طويلة الأمد، أو معالجة حقيقية لأسباب التصعيد، فإن فرص انهيار الهدنة تظل قائمة، وربما قريبة.
في العمق، لم ينهِ هذا الاتفاق التوتر الإيراني - الإسرائيلي، ولا أزال خطر الانفجار الإقليمي، لكنه أوقف وقتياً حرباً لم يكن يريدها أحد، وسمح لكل طرف بأن يغادر المسرح دون أن يُتهم بالهزيمة. إنه اتفاق حفظ ماء الوجه بامتياز، لكنه لا يصلح أساساً لأي سلام طويل الأمد.