الشرق الأوسط على حافة الهاوية !

كتاب النهار 18-06-2025 | 04:30
الشرق الأوسط على حافة الهاوية !
 إيران أمة عظيمة راسخة في المنطقة والتاريخ، فهل تتأمل في مرآتها، لتُعيد بناء نظامها بحكمة وانفتاح في الداخل، والتعايش والتعاون مع الخارج، أم تظل أسيرة للاستبداد وأوهام الزعامة؟ هل تعيد بناء استراتيجيتها بعقلانية، تجاه أشقائها العرب أم تظل أسيرة الشعارات، وتتدحرج معها الأحداث إلى ما لا يمكن تصوّره؟
الشرق الأوسط على حافة الهاوية !
صواريخ إيرانية في سماء إسرائيل (أ ف ب)
Smaller Bigger

الشرق الأوسط على شفا الهاوية، ويشهد حالة صدام واشتباك بين المصالح على المستويين الدولي والإقليمي. تحاول مختلف القوى أن تستفيد من الفوضى الراهنة، من أجل الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية، أو لمدّ نفوذها. الدول العربية في قلب هذه المعادلات، منذ نكبة فلسطين إلى الحرب الإسرائيلية-الإيرانية الحالية. أصل المرض واحد، وأعراضه متعددة. خَلَّفَ الاستعمار ندوباً غائرة على وجه الإقليم.

تتداخل الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية لدول الخليج العربية وإيران، لتجعل منها ذات أهمية قصوى للأمن العالمي، لثقلها الاستراتيجي في مجال الطاقة. تحتوي دول الخليج على نحو 60% من الاحتياطي العالمي من النفط، و30% من احتياطي الغاز؛ لهذا تعمل القوى الكبرى على تثبيت وجودها في المنطقة بمختلف الوسائل.

الإثارة والتوتر صبغا التاريخ الحديث، وما زالا. كشف الهجوم الإسرائيلي على إيران -في مراحله الأولى- عن فشل في أداء منظوماتها الاستخباراتية والدفاعية. جعل طهران كمن يقاتل شبحاً في الظلام، يعجز عن رصد العدو أو اتّقاء ضرباته، بينما نجحت تل أبيب -بدعم أميركي-أوروبي بتنفيذ اختراق ملموس، قبل أن تستعيد طهران توازنها وتردّ.

الفشل الإيراني ليس ثغرة عابرة، بل خلل بنيويّ؛ فكيف لدولة تطمح للهيمنة إقليمياً أن يقيم الموساد على أراضيها قاعدة سرية لوحدات كوماندوز ولإطلاق "الدرونز"، على غرار عملية "شبكة العنكبوت" الأوكرانية في روسيا؟ وكيف تتفاجأ بطائرات مقاتلة تقطع ألفي كيلومتر، وتغتال كبار قادتها وعلمائها وتدمّر منشآتها الحيوية.

تجاهلت طهران مقولة "صن تزو": "اعرف عدوك، واعرف نفسك، فلن تُهزم في مئة معركة"، وأن السبيل الوحيد للتصدّي لهجمات الأعداء وإسقاط صواريخهم هو الاستثمار في العلم والتكنولوجيا والتدريب. وقد كان الهجوم الإسرائيلي"عملية الأسد الصاعد" نتاج تخطيط، استمرّ عامين، مدعوماً بتقدّم علمي وتكنولوجي، وتنسيقٍ دولي-غربي بالأساس، أعاد إلى الأذهان قول كلاوزفيتز: "الحرب هي فن التخطيط قبل التنفيذ".

بالطبع، عانت إسرائيل فشلاً واضحاً هي الأخرى. أخفقت مخابراتها وجيشها وقبّتها الحديدية في منع موجات الصواريخ الإيرانية من الوصول إلى أراضيها، وربما لولا التكاتف الغربي معها، ومساعدتها في إسقاط الصواريخ خارج مجالها الجوي، لحدث انكشاف فاضح لتل أبيب أمام صواريخ طهران ومسيّراتها.

ويمثل الكباش الإيراني-الإسرائيلي اختباراً للتحالفات بين أطراف الصراع. يكشف حقيقة الأصدقاء، إذ عانت إيران "عزلة" لم تخلُ من بيانات دعم خجول، أمام عدو مدعوم بتحالف غربيّ. مأساةٌ تُذكرنا بأن القوة الإقليمية لا تُبنى بالخطابات وصنع العداوات في الجوار، بل بالعلاقات الوطيدة والتحالفات الاستراتيجية.

في السياق نفسه، ترغب واشنطن في تعويض خسائرها في الشرق الأوسط؛ أهدرت 12 تريليون دولار في المنطقة، منذ عام 2003، والنتيجة 7000 قتيل أميركي و50 ألف جريح اليوم، وتبلغ ديونها 37 تريليون دولار. تعب الأميركيون من الحروب، صوّت الملايين منهم للرئيس دونالد ترامب لأنه وعد بوقف الزحف نحو الحرب العالمية الثالثة، لكن ضربة إسرائيلية على جزيرة "خرج" قد تعرقل 90٪ من صادرات النفطية الإيرانية؛ وساعتها قد تغلق طهران مضيق هرمز، مما يوقف 40٪ من إمدادات النفط الدولية، وربما يقود إلى أزمة اقتصادية مروعة عالمياً.

من المبكر الحديث عن نتيجة المعركة بين طهران وتل أبيب، لكنّ هناك جرحاً نازفاً في قلب إيران، أي الاستبداد. قام نظام الملالي على مركزية القرار وإقصاء التنوع. يتربّع المرشد الأعلى والحرس الثوري على قمّة السلطة. نظام مشغول بتعزيز هيمنته الداخلية، والتوسّع خارجياً. الاستبداد بطبيعته يُكبّل العقل الجمعي، ويحصر القرار بأيدي قلّة، لا تتسع رؤيتها لاستيعاب تعقيدات الصراع في أوقات كثيرة، مما يؤدي إلى فوضى في إدارة الأزمات، ويُنتج انقسامات بين أجنحة السلطة. تحابي الثقافة الاستبدادية الولاء على الكفاءة؛ فبدلاً من تمكين خبراء مستقلّين أو فتح قنوات للحوار الداخلي، اختار النظام قمع التنوّع الفكري، ممّا جعل أجهزته الأمنية كالأعمى في مواجهة عدو يُحسب خطواته بدقة.

مأساةٌ تُذكّرنا بقول الفيلسوف ابن رشد: "الحقيقة لا تُولد من رأس واحد، بل من عقولٍ كثيرة". لكن في إيران الرأس الواحد سيّد الموقف، فكان ما كان. لا يفضي الاستبداد إلى قرارات بائسة فقط، بل يُهدر أيضاً رأس المال البشري، يُعاقب على النقد، ويُكافئ على الطاعة، ويفضّل الولاء على الكفاءة.

كان يمكن لإيران أن تسهم في صنع مستقبل أفضل لشعبها وجيرانها العرب بدلاً من الصراع معهم أو الهيمنة عليهم، مما أضعف الإيرانيين والعرب لمصلحة إسرائيل بكل وحشيتها! إن إيران أمة عظيمة راسخة في المنطقة والتاريخ، فهل تتأمل في مرآتها، لتُعيد بناء نظامها بحكمة وانفتاح في الداخل، والتعايش والتعاون مع الخارج، أم تظل أسيرة للاستبداد الزعامة وأوهامها؟ هل تعيد بناء استراتيجيتها بعقلانية، تجاه أشقائها العرب أم تظل أسيرة الشعارات، وتتدحرج معها الأحداث إلى ما لا يمكن تصوّره؟ لقد حان وقت مراجعة المواقف لمصلحة الجميع، قبل فوات الأوان!